الخميس، 17 يوليو 2014

حكمة القلب .. لإله الكتابة البرونزي (هنري ميلر)

عندما طرق بابي زائر، وطلب مني أن أكتب رأيي في الكتابة، خرجتْ هذه الأوراق التي نُشرت في مجلة (الأفق) في لندن، ومجلة (الكتابة الفنيّة) في شيكاغو.

قال أحد الكتاب الذين أحترمهم أنه يكتب كي يقتل الوقت، وعلى فرض أنه صادق، فهو في نظري يخدع نفسه.

الكتابة مثل الحياة، رحلة اكتشاف دائم. مغامرة ميتافيزيقية. طريق غير مباشر للتعامل مع العالم، وسيلة لرؤية "الكُلّ" لا التفاصيل.

الكاتب يعيش بين العالم العلوي – حيث الروح- والعالم السفلي – حيث جسده وملذاته - ويحاول أن يصنع الطريق الذي يصل بينهما، وقد يصبح هو نفسه هذا الطريق.

أنا بدأتُ من فوضى كاملة وظلام. خرجتُ من مستنقع تراكمت فيه الأفكار، والمشاعر، والتجارب. 
إنني لا أعتبر نفسي كاتبًا بالمعنى المألوف لهذه الكلمة. لستُ سوى رجل يروي تاريخ حياته. هذا هو عملي الوحيد، عملي الذي لا ينتهي أبدًا، بل يتعاظم كلما تقدمتُ فيه، إنه كتطور العالم، لا نهاية له.

الكتابة هي قلبُ الداخل إلى الخارج، رحلة في اتجاهات لا نهاية لها. خلالها يكتشف الإنسان أن ما يقوله ليس هو المهم، ولكن المهم أن يقول. فهذه هي الخاصية التي ترفع الفنون فوق الزمان والمكان. هي التي توحد بين الفنّ وبين الحركة الكليّة للكون، وهي التي تعطي الفن ما له من قدرة على التطهير، وما له من دلالة وهدف.

منذ البداية كان يخامرني شعور عميق بأن لا وجود لما يسمونه "الهدف". لم أكن أحلم أن أعانق "الكلّ". كنت أريد أن أضع في كل جزء، وفي كل قطعة من المقاطع المتناثرة، وفي كل عمل، ذلك الإحساس العميق "بالكل". لأن عملي لم يكن سوى حفر في أعماق الحياة. ومع عملية الاقتراض الدائم من الحياة، تعاظم الحساب المَدين. ثم أصبحتُ أكثر فأكثر لا مباليا بمصيري ككاتب، وأصبحت أكثر فأكثر واثقا من مصيري كإنسان.

فحصت بعناية أسلوب وتكنيك كل هؤلاء الذين أعجبت بهم وقدستهم. نيتشه، ديستويفسكي، هامون، وحتى توماس مان الذي ما لبثت أن ألقيته خلف ظهري، عندما اكتشفت أنه ليس سوى كاتب يضع حجرا فوق حجر.

حاولت أن أقلد كل أسلوب بحثا وراء السر الذي كان يهرب مني دائما؛ كيف أكتب؟!
وأخيرا وصلت إلى جدار أصم، إلى درك اليأس والضياع، لم يكن من الممكن أن أتصور حدوث انفصال بين نفسي ككاتب، ونفسي كإنسان، كان معنى أن أفشل ككاتب، هو أن أفشل كإنسان، وقد فشلت.

أدركت أنني لا شيء. أقل من لاشيء، مجرد كمية سالبة، وفي هذه النقطة بالذات، وسط هذا البحر القاتل من الأمواج الساكنة بدأت – حقا – الكتابة، بدأت من الصفر، ألقيت بكل شيء فوق الدولاب، حتى هؤلاء الذين أحببتهم، وسرعان ما سمعت صوتي الخاص، وانتشيت به، لقد كان صوتا منفصلا متميزا، يأتي من بعيد، وقد كفاني هذا.

لم يكن يعنيني أن يعتبر الناس ما أكتبه خبيثا، فقد أسقطت كلمة الخبيث والطيب من قاموسي. لقد قفزت بكل كياني إلى تيار الجماليات، حيث لا وجود للأحكام والتعاليم. أصبحت حياتي نفسها عملاقة، لقد وجدت صوتي، أصبحتُ كاملا. لقد كانت تجربة كتجارب البوذيين.

إنني أريد أن أتحدث عن الحقيقة. وأعرف مقدمًا أنه لا سبيل إليها سوى بالكتابة، لم أعد أبحث عن أشياء "أتعلمها" بل عن أشياء " أدركها".

بمرور الوقت، أصبحت أعمل على تنمية هذه القدرات: القدرة على الاستيعاب، والتفهم، التخيل، التصنيف، التخطيط، الإفصاح، فأصبح العنصر الباني في الأشياء يكشف عن نفسه أمامي بسرعة أكبر، ويتلاشى الغموض. إنني أحيا بإحساس عميق "بالديمومة" دون أن يرجع هذا إلى إيمان أو عقيدة. أحيا فقط لنفسي. دون أدنى ذاتية أو أنانية. إنني أحيا القَدَر الذي منحتني إيّاه الحياة، وبذلك أساعد على انتظام الكون.

إنني أساعد -يوميا وبكل طريقة - على إحداث التطور في العالم وعلى إثراء تجربته، أقدم بإرادتي كل ما أملك، وآخذ قدر ما أستطيع. أنا تابع ومتبوع في نفس الوقت. لست أكثر من علامة (=).

يتساوى عندي الآن أن أكتب أو لا أكتب، فقد زال الاضطراب والتوتر، وهذه الحالة المتطرفة من اللامبالاة، هي نتيجة منطقية للحياة مع النفْس.

لم يعد المشكل الحقيقي هو كيف تعامل الناس، أو كيف تخدم المجتمع، بل أصبح كيف تكتشف مصيرك الخاص، أن تجعل حياتك تتسق مع الإيقاع العميق في قلب الكون.

إن الجنة في كل مكان، وعلى ناصية كل طريق، والإنسان لا يستطيع أن يتقدم، إلا إذا سار أولا إلى الخلف، ثم سار في كل الاتجاهات، وارتفع وانخفض. ليس هناك من تقدم في حركة واحدة متصلة.

لا يقوم في ذهني أي تصور مسبق عن أعمالي قبل أن أكتبها، إنني أكتب لحظة بلحظة، أكذب، أزور، أبالغ، أضحك، لا أطيع إلا غرائزي وحدسي.

كثيرا ما أكتب أشياءَ أجدني غير قادر على فهمها، ومن فرط ثقتي أقول: إنه سوف يأتي يوم وتبدو لي هذه الأشياء واضحة ومليئة بالمعاني، إنني أثق في الكاتب الذي هو أنا.

لا أثق في الكلمات -مهما كانت براعة ناظمها- لكنني أثق في اللغة نفسها، وهي شيء يختفي خلف الكلمات. فالكلمات التي لا توجد منفصلة إلا في أذهان صانعي القواميس والأكاديميين، وعندما تخرج الكلمات من سياق اللغة تموت، ولا تكشف أيّ سرّ.

أحبّ أن تنساب كلماتي كما تنساب الحياة، أن تنساب في كل الاتجاهات، وأقبل مقدمًا عجزي عن تحقيق هذا، لكن عجزي لا يقلقني على الإطلاق، فالحياة حُبلى بالفشل. إنها الصورة "الكاملة" "للنقص". يقترب الإنسان من قلب الحقيقة - التي هي هدف كل كاتب- عندما يتخلى عن الصراع على الأشياء، والرغبة في السيطرة، واصطناع القوة.

وإذا كنتُ ثوريا – كما يُقال عني – فأنا لم أتعمد هذا. فقط أنا قادر على أن أعيش الجانب السلبي والجانب الإيجابي للحياة على السواء، إنني فوق السلب والإيجاب، أتنقل بينهما بحرية كاملة، تلك الحرية التي تجيد التعبير عن نفسها عندما أكتب.

أنا لست أسيرا للفن، فهو ليس سوى وسيلة للحياة، وسيلة لأن نحسّ بعمق أكثر، إنه يشير إلى الحياة الحقّة، فإذا أصبح الفن ذاته مقصدًا فقد معناه، والكثير من الفنانين يفقدون الحياة بمحاولة تحديها. أنا مؤمن بأن كل الفنون سوف تختفي يومًا ما، وسوف تصبح الحياة هي الفن الوحيد.