الجمعة، 14 فبراير، 2014

الكاتب المُتَنقّل .. لـ ديفيد إبينباخ


أكتب هذه المقالة من داخل خزانة، لا أقول هذا على سبيل المجاز، مؤخرا انتقلت مع أسرتي إلى شقة صغيرة مكونة من غرفتين مريحتين، والمساحة الوحيدة التي نستطيع تخصيصها كمكتب بصورة حقيقية هي هذه الخزانة.

إنها كبيرة، 5 أقدام في 5 أقدام، ولكنها خزانة رغم ذلك، فيها شماعات، وجدران بيضاء خالية، وقضيب لتعليق الملابس، لا تحوي نوافذ، ولا يميزها شيء، قد تبدو وكأنها خليّة، وهي كذلك قليلا، ولكنها حتى الآن تعمل بشكل جيد. ولكي أكون أمينا، أنا لست متفاجئا، كنت أعلم أنها ستكون على ما يرام، لقد تنقلت بقدر لا بأس به أثناء مراهقتي، كل تنقلاتي علمتني شيئا واحدا، على الكاتب أن يكون مرنًا بشأن مكان عمله.

كمُدرس، كثيرا ما صادفت كتابا مبتدئين، قد يكونون أي شيء إلا أن يكونوا مرنين، قالوا لي أنهم لابدّ أن يكتبوا في زاوية معينة من مكتبة الجامعة، يحتاجون نوعا معينا من الموسيقى، يستطيعون الكتابة فقط بعد الثانية فجرا، فقط في صباحات الأحد، فقط في مفكرة مصقولة الأوراق، فقط عندما يكونون بائسين جدا.. إلخ. وهم في الغالب صادقون.

لقد وجدت المكان المثالي للكتابة، أحب أن أكتب عندما ينام الجميع، ولكن عندما أسمعهم يتكلمون أقلق، ماذا سيحدث عندما يستخدم الخلوة شخصٌ آخر؟ عندما يملّون الموسيقى؟ عندما تسقط المفكرة في النهر وليس في المتجر المحلّي سوى المفكرة العادية الحلزونية التي تطلبها الكلية؟ ماذا سيحدث عندما تتغير ظروف حياتهم كما لا بد أن يحدث ؟ .

والآن، هناك شيء يمكن أن يُقال عن الحالات المثاليّة، لقد كنت محظوظا كفاية عندما كتبت وسط جماعات الفنانين (جماعة مكدويل) و (مركز فيرمونت استوديو)، ولاحظت كيف أنه من السهل جدا أن تكون منتجا عندما تكون لديك مساحتك الخاصة للإبداع، عندما تكون محاطا بالكتاب والفنانين الذين يقومون بأعمالهم، عندما تكون طيلة اليوم بدون مسئوليات إلا الكتابة، عندما يطهي لك أحد طعامك ويغسل أطباقك، بدون شك أنا أنصح بملاحقة هذه الفرص إذا استطعت، ولكن هذه الفرص قصيرة المدى، تستمر عادة لأسبوعين أو لشهر على الأكثر، وليست خيارا لمعظم الناس طوال العام على مدار حياتهم الكتابية .

حتى لو كنت تعدّ لتأسيس شئ ما عظيم للغاية في بيتك، تستطيع أن تحافظ على غرفتك لطيفة على مدار السنة، وأن تحيط نفسك بأشيائك المفضلة، وجزء من الوقت قبل العشاء، يجب أن تكون متأكدا للغاية من أنك تستطيع التعامل مع التغيرات المهمة في بعض المراحل، قد تنتقل، أو قد تجد نفسك مضغوطا لعمل شيء آخر في محيطك، أو تواجه تحولات في جدولك أو مسئولياتك، أو أي قدر من الأشياء الأخرى . و قد تجد أنه من الصعب تأسيس شيئ عظيم في بيتك. وعلاوة على ذلك قد تواجه اضطرابات أو ما هو أقل من توقعاتك، ماذا ستفعل ؟.

عندما تتغير أحوالي، تتغير عادات كتابتي بالضرورة، كشخص وحيد، أكتب في وقت متأخر من الليل، ولكن أن أفعل ذلك كشخص متزوج، معناه أن أذهب إلى السرير في موعد مختلف عن ميعاد زوجتي، قبل أن أكون أبا، كنت معتادا على الاستقرار، وقت الكتابة متواصل، والآن أنا أنتهز أي مقدار عشوائي من الوقت يأتي في طريقي .

الحديث عن وظائف جديدة يعني جداول جديدة وضغوط عمل جديدة . وقبل انتقالنا الأخير، كان لدي مكتب كبير لنفسي، والآن ليست لديّ هذه المساحة، فقط، من خلال كل هذه التغيرات حرصت على إيجاد وسيلة للحفاظ على العمل .

بعد كل شيء – كما أقول دائما لطلابي – هناك سر واحد كي تكون كاتبا: "عليك فقط أن تكتب". فكّر فيها: "كاتب" تلك صيغة الإسم من فعل " يكتب" ، إذن نحن محددون في هذا الشأن من خلال ما نفعله، ولو توقفنا عن القيام بهذا لأن الظرف غير مثالي فنحن في مشكلة .

لحسن الحظ، اكتشفت أن الكتابة ممكنة في جميع الأحوال، منذ عدة أعوام، المكان الذي كنت أدعوه مكتبي، كان متنوعا، ركن غرفة النوم، أو غرفة المعيشة، أو غرفة الطعام، دور سفلي، أو حتى في ركن المقهى، لقد كتبت أيضا في المغاسل، في ممرات المستشفى، والمكتبات، في القطارات، محطات الحافلة، في مقعد الراكب أثناء تجمع السيارات للعمل، على مقاعد الحديقة، وعلى سقّالة جوار صديقي الرسام، في أماكن مألوفة وأخرى لم أزرها من قبل، كتبت عندما كنت سعيدا وحزينا وعندما كنت ضجرا، فعلتها عندما كنت أعمل من التاسعة حتى الخامسة، أحيانا لا أعمل كثيرا، وأحيانا ألتزم بالجدول بحذافيره، كتبت متأخرا في الليل، وباكرا في الصباح، وفي أي وقت آخر من اليوم، والرسالة التي أريد توصيلها، أنني يمكن أن أشير إلى العديد والعديد من قطع استثنائية كتبتها، لم تكن لتخرج لو لم أكن مرنا بهذه الطريقة.

لو كانت القضية هي التغيير، فبدون شك فقدان الألفة أو التنبؤ سيكون عسيرا، لو كنت معتادا على الكتابة تحت شروط معينة، مصادر إلهامك قد لا تستطيع الظهور عندما تكون الحالات مختلفة. لهذا السبب، إستحضار الألفة وخلق الروتين لبيئتك الجديدة يمكن أن يكون مفيدا، ربما يكون لديك تصوّر معين عالق برأسك من مكان كتابتك القديم، يمكن صنعه في مكان الكتابة الجديد . موسيقاك المفضلة ربما تأتي معك عبر سماعات الأذن، في مترو الأنفاق، حتى تتمكن من الكتابة على عجل  بين المحطات، قد يكون هناك طقوس ما قبل الكتابة، تمارين رياضية، أو قهوة، أو قرابين تقدم للآلهة، هذا يمكن تكراره بغض النظر عن مكان وجودك، كل هذه الأشياء هي نوع من الإشارة للإلهام، أو – الأفضل من ذلك – تغيير إشعار العنوان، ستقوم بتحديث الإلهام، حسب مكان الكتابة، في ذلك اليوم بحيث تكون متأكدا من أنك ستقابله .

أيضا تستطيع أن تحاول خلق - ليس المألوف فقط -  ولكن شيئا يشبه الظرف المثالي الكامل، ما هي الملامح التي تجعل مكان الكتابة أو وقت الكتابة منتجا بشكل استثناني بالنسبة إليك ؟ لو كنت تحب الهدوء والصفاء، فمن المنطقي البحث عن أكثر الأماكن هدوءا وصفاء، أو إحداث بعض الضوضاء البيضاء في المكان الذي حصلت عليه، إذا كنت تعمل أفضل عندما يكون الجميع نائمين والليل لم يعد متاحا لك، جرب الصباح الباكر، إذا كنت تزدهر وسط الضجيج والحركة، قد تحتاج إلى الخروج من المنزل . النقطة هي أنك لو كنت تفكر كثيرا في ما الذي يساعدك لتكتب، ربما تكون قادرا في النهاية على تحقيق ما لا يقل كثيرا عن الوضع المثالي .

وفي الوقت نفسه، يجب أن يضع الكُتّاب قليلا من الجهد النشط لاحتضان أي تغيرات يواجهونها، فهذا جيد للعمل .
الشيء اللطيف في الأمر، أن تغيرات الظروف ( الوقت – المزاج – وما إلى ذلك ) يمكنها أن تثري محتوى الكتابة، في حين أن الروتين الثابت يجعل عملك ثابتا أيضا . إذا كنت تكتب دائما والآخرون نيام، على سبيل المثال، ربما ستجد أن عملك ينتهي دائما بعرض الأصوات والأحاسيس والمشاعر ليلا، ليس هناك ما يضير في الليل، لكنني لا أريد أن أكون محدودا به، المواقف الجديدة – على جانب آخر – يمكنها أن تحضر تشبيهات جديدة، خلفيات، أفكار، والمزيد . إيقاع حركة القطار، يمكنه أن يظهر في شِعرك . غسيلك للملابس يعطيك مجموعة مختلفة تماما من المُدخلات الحسيّة، أكثر مما يفعله المقهى، الكتابة من الغضب بالتأكيد تعطيك نتائج مختلفة عن الكتابة من الهدوء.
أي شيء جديد أو غير معتاد فرصة لتظهر بشكل مثمر في العمل.

وما هو البديل لو رفضنا الكتابة دون أي شيء سوى الكمال، أو الظروف المألوفة الكاملة؟ ما أقترحه، أننا يجب ألا نكون عبيدا لما نعده ظروفا مثالية، وبدلا من ذلك، يجب أن نصمد تحقيقا لهذا الهدف: السعي، ليس من أجل الأوضاع الجامدة، ولكن من أجل أن نكون كتابا يستطيعون انجاز أعمالهم عندما يكون الوضع جديدا، أو غير مألوف أو غير ملائم. بطريقة أخرى، يجب أن نسعى كي نكون كتابا متنقلين، كتاب يمكنهم أن يتموا أعمالهم في أي مكان، وتحت أي ظرف .