الجمعة، 17 يناير 2014

حينما قابلت "سيرجي"

"اعزفْ يا بنيّ، فالملائكة تفصح عن سرّها في دمائك حين تفعل"
يبدو أن أمّ "رحمانينوف" كانت تمتلك خيالا شاعريا رهيبا كي تحفزه بقولها الجملة السابقة.

"موتسارت" و"بيتهوفن" أسماؤهم منتشرة للغاية - وهمّ موسيقيون عظام - لكنّ من يصل إلى "رحمانينوف" فقد وصل إلى واسطة العِقد، إلى الذروة، وأيّ مهتم بالموسيقى الكلاسيكية – أو بالموسيقى عموما – لابدّ أن يعرفه جيدا.
ويخبرني عن بلادٍ يحاصرُها الثلجُ
قال: " المحبونَ في بلدي يتركونَ العشيقاتِ في الصيفِ"
قلتُ: " وهل لاكتئابِكَ حلٌ سوى أن تؤلفَ كونشرتو"

ولد "سيرجي رحمانينوف" في 20 مارس 1873 لعائلة أرستقراطيّة في محافظة نوفجورود الروسيّة، تلقى تعاليم الموسيقى في سن مبكرة على يد والدته، ثم التحق في سن التاسعة بكونسرفتوار بطرسبرج، وأكمل الدراسة عام 1888 في كونسرفتوار موسكو، خلال هذه الفترة، تعرف على "تشايكوفسكي" العظيم الذي شارك في تحديد مصيره، وصار واحدا من أساتذته.

أظهر تفوقا ملحوظا خلال سنين الدراسة، فنال أوسمة لا تُمنح إلا للطلاب المتفوقين، عمل كقائد أوركسترا بداية من عام 1897، وإلى جانب شهرته كعازف بيانو ممتاز، فقد اشتهر أيضا كقائد أوركسترا للتفسيرات المختلفة التي يقدمها الأوركسترا تحت قيادته للمقطوعات التي يعزفها.

توضيح بسيط: المايسترو لا يهدد أعضاء الأوركسترا عندما يحرك العصا، بل يشير إلى كل عازف أو مجموعة عازفين بعلامات متفق عليها، تضمن التدخل في التوقيت المناسب، المايسترو قد يغيّر أماكن الوقف والسكت والوصل، يقصرها قليلا أو يجعلها أطول، قد يسرع الإيقاع أو يبطئه، حسب فهمه للمعاني المُراد توصيلها من المعزوفة، لأن الموسيقى الكلاسيكية تعتمد على الهارموني، حيث تُعزف أكثر من آلة في وقت واحد.

عامله كثيرٌ من النقّاد على أنه مجرد عازف بيانو ممتاز لا كمؤلف موسيقي، خاصة بعد أن نال كونشرتو البيانو الأول فشلا ذريعا، وقد وصفه بعض النقّاد بأنه مُعجِز في ردائته، وأنه شبيه بالأوبئة التي اجتاحت أوروبا في القرون الوسطى !.

وإضافة إلى ذلك رفضت الكنيسة زواجه من قريبته "ناتاليا ساتينا" فأصابه الاكتئاب وتوقف عن التأليف فترة طويلة، وتلقّى العلاج النفسي على يدّ صديقه الطبيب النفسيّ الموسيقار "نيكولا دال" وبعد حين سمحت الكنيسة بالزواج من "ناتاليا" التي سترافقه طيلة حياته، وذلك بعد الإذن الإمبراطوري من "نيكولاي الثاني"، تغيّرت حالته المزاجيّة تماما،وعاد إلى التأليف عام 1900  فكتب أهمّ مؤلفاته وأشهرها " كونشرتو البيانو الثاني"، وتوالت مؤلفاته حتى غادر روسيا عام 1917 .

بعد الثورة البلشفيّة فرّ "سيرجي" إلى السويد ثم الدنمارك واستقر نهائيا في نيويورك عام 1918، هذه الفترة نقطة تحوّل كبيرة في حياته، عُرِض عليه أن يعمل مدرسا للبيانو فرفض لأنه لم يجد في نفسه أي ميلٍ للتدريس، وعمل بعد ذلك قائدا للأوركسترا، أثرت الهجرة عليه سلبا، لم يعجبه استقبال الجمهور الأمريكي لمؤلفاته، توقف عن التأليف مرة أخرى لعدة أعوام، عام 1926 عاد بمقطوعة من أهم وأجمل أعماله "رابسودية باجانيني".

تعبتُ من الحدسِ
لم يحتفِّ التافهونَ بأيِّ سوناتا
بلاديَ تملؤني حنقًا
الكمانُ لهُ وقعُهُ
كالنساءِ اللواتي تراقصنَ
في حفلةٍ للربيعِ البديعِ مُطِّلاً على موسكو
والبيانو شريدٌ هداهُ الطريقُ إلى جُرحنا
كي يرتِّقَهُ دونما ألمٍ

نحن أمام مؤلف موسيقي عنيد مثابر، اختلطت الموسيقى بلحمه وعظامه، ما يميزه أنه جمع بين العديد من المتناقضات، موسيقاه تحمل حسّا رجوليا فخما يشبه الزئير في بعض الأحيان، وأيضا هي رقيقة حالمة أقرب إلى مناجاة باكية، تراتب النغمات دقيق منطقي صارم، لا يقبل الخطأ  أو الارتجال، وأيضا هو رشيق سلس، وهذا هو جوهر فهمه للموسيقى كما قال موضحا لإحدى صديقاته: "كل قطعة أعزفها متمحورة حول هدف معين، ويجب أن تؤدى بنقاء وتدرج، حتى يصل العازف الى ذروة الهدف بشكل يبدو طبيعيا".

كونشرتو البيانو الثاني:
الافتتاحية مهيبة فخمة، ضربات بيانو متصاعدة قوية، ثم تدخل الكمنجات بلحن بسيط قوي لن تسمع أروع منه، حزن شفيف داكن، براءة جريحة، زئير رجولي غير مُباح به، ثم يعود البيانو للظهور مرة أخرى، رقيقا حانيا، يبوح بسر ألمه للهواء والأشجار وإسفلت الطريق، يتوالى حوار الكمنجات والبيانو، يمتزجان معا في جدائل مصنوعة بعناية وباحساس فائق، تتكرر الجملة الموسيقية الرئيسية بأكثر من طريقة، كل طريقة أكثر عذوبة من الأخرى.

تدخل الفلوت في الخلفية من بعيد ترد على البيانو والكمان، كأنها توميء أو تشير، أنا أشعر بكما، أفهمكما لكنني بعيد لا أستطيع أن آتي، تتعالى الكمنجات من أعلى نقطة ممكنة، نداء شاهق حار، ثم تعود الجملة الرئيسية تتكرر بسرعة أكبر مرة أخرى، كأنه تنفس سريع من أثر كتمان البكاء، الكمنجات ترافق البيانو طيلة الوقت، ترد من ذات النغمة بطريقة أخرى، ثم تهدأ ويختفي الايقاع، بعد انتهاء الشحنة الانفعالية، فقد آن للبيانو أن يستريح قليلا .

هذا الكونشرتو تحديدا عبارة  عن حوار مطول شفيف بين البيانو والكمان، وضع فيه رحمانينوف كل طاقته الانفعالية وقدراته الموسيقية، وأهداه إلى الشخصين الذين وقفا بجانبه خلال تلك الفترة العصيبة من حياته "ناتاليا ساتينا" و"نيكولا دال" .

الفيديو التالي هو الحركة الأولى فقط من الكونشرتو المكون من 3 حركات، لو أعجبك فأكمل ثم اسمع بقية مؤلفاته، وإن لم يكن فاعتبرها مجرد صدفة للتعرف عليه كما تعرفت عليه أنا أيضا صدفة، وفي حالة الاعجاب به أوصي بسماع "رابسودية باجانيني " فهي من أهم مؤلفات رحمانينوف كذلك.

كان إيقاعيَ العفويُّ سبيلاً جديدًا لقلبي
ولم أفهمْ الكلماتِ
احترستُ من الوقتِ بالصمتِ
أَنشُد شيئًا يلوحُ من الأفقِ البرتقاليِّ والليلِ
تدفئني الخمرُ "
قلت: " رأيتُ الحنينَ يُطِلُّ من الهذيانِ المنغّمِ
ماذا فعلتَ لتبلغَ هذا ؟! "
فقال: " تذكرتُ أميَ وهي تطمئنني
وتقولُ : " الملائكةُ الآن تفصحُ عن سرِّها في دمائيَ حين عزفتُ "
وقام لينظرَ نحو الطريقِ ويُنصتُ للضوءِ
قال لعلي أرى نغْمةً يحتويها
يمدُّ يديه ليكتبَ ما قالَهُ الهذيانُ
وأنهى زجاجتَهُ وانتشي
يتلاشى قليلاً قليلاً
وقال : " سلامٌ عليك
تشاركني ثِقَلَ الليلِ 
شكرًا لأنكَ تقرأني جيدًا "



هناك 5 تعليقات:

  1. أزال أحد مشرفي المدونة هذا التعليق.

    ردحذف
  2. أزال أحد مشرفي المدونة هذا التعليق.

    ردحذف
  3. أزال أحد مشرفي المدونة هذا التعليق.

    ردحذف
  4. أزال أحد مشرفي المدونة هذا التعليق.

    ردحذف
  5. أزال أحد مشرفي المدونة هذا التعليق.

    ردحذف

لا تجلسْ على العتباتِ
كالشحَّاذِ أو جابي
الضرائبِ
لا تكنْ شُرطيَّ سَيْرٍ في الشوارع
كن قويّاً ، ناصعَ الفولاذ ، واخلَعْ عنك أَقنعةَ
الثعالبِ
كُنْ فروسياً ، بهياً ، كاملَ الضرباتِ . قُلْ
ماشئْت .