الخميس، 17 يوليو، 2014

حكمة القلب .. لإله الكتابة البرونزي (هنري ميلر)

عندما طرق بابي زائر، وطلب مني أن أكتب رأيي في الكتابة، خرجتْ هذه الأوراق التي نُشرت في مجلة (الأفق) في لندن، ومجلة (الكتابة الفنيّة) في شيكاغو.

قال أحد الكتاب الذين أحترمهم أنه يكتب كي يقتل الوقت، وعلى فرض أنه صادق، فهو في نظري يخدع نفسه.

الكتابة مثل الحياة، رحلة اكتشاف دائم. مغامرة ميتافيزيقية. طريق غير مباشر للتعامل مع العالم، وسيلة لرؤية "الكُلّ" لا التفاصيل.

الكاتب يعيش بين العالم العلوي – حيث الروح- والعالم السفلي – حيث جسده وملذاته - ويحاول أن يصنع الطريق الذي يصل بينهما، وقد يصبح هو نفسه هذا الطريق.

أنا بدأتُ من فوضى كاملة وظلام. خرجتُ من مستنقع تراكمت فيه الأفكار، والمشاعر، والتجارب. 
إنني لا أعتبر نفسي كاتبًا بالمعنى المألوف لهذه الكلمة. لستُ سوى رجل يروي تاريخ حياته. هذا هو عملي الوحيد، عملي الذي لا ينتهي أبدًا، بل يتعاظم كلما تقدمتُ فيه، إنه كتطور العالم، لا نهاية له.

الكتابة هي قلبُ الداخل إلى الخارج، رحلة في اتجاهات لا نهاية لها. خلالها يكتشف الإنسان أن ما يقوله ليس هو المهم، ولكن المهم أن يقول. فهذه هي الخاصية التي ترفع الفنون فوق الزمان والمكان. هي التي توحد بين الفنّ وبين الحركة الكليّة للكون، وهي التي تعطي الفن ما له من قدرة على التطهير، وما له من دلالة وهدف.

منذ البداية كان يخامرني شعور عميق بأن لا وجود لما يسمونه "الهدف". لم أكن أحلم أن أعانق "الكلّ". كنت أريد أن أضع في كل جزء، وفي كل قطعة من المقاطع المتناثرة، وفي كل عمل، ذلك الإحساس العميق "بالكل". لأن عملي لم يكن سوى حفر في أعماق الحياة. ومع عملية الاقتراض الدائم من الحياة، تعاظم الحساب المَدين. ثم أصبحتُ أكثر فأكثر لا مباليا بمصيري ككاتب، وأصبحت أكثر فأكثر واثقا من مصيري كإنسان.

فحصت بعناية أسلوب وتكنيك كل هؤلاء الذين أعجبت بهم وقدستهم. نيتشه، ديستويفسكي، هامون، وحتى توماس مان الذي ما لبثت أن ألقيته خلف ظهري، عندما اكتشفت أنه ليس سوى كاتب يضع حجرا فوق حجر.

حاولت أن أقلد كل أسلوب بحثا وراء السر الذي كان يهرب مني دائما؛ كيف أكتب؟!
وأخيرا وصلت إلى جدار أصم، إلى درك اليأس والضياع، لم يكن من الممكن أن أتصور حدوث انفصال بين نفسي ككاتب، ونفسي كإنسان، كان معنى أن أفشل ككاتب، هو أن أفشل كإنسان، وقد فشلت.

أدركت أنني لا شيء. أقل من لاشيء، مجرد كمية سالبة، وفي هذه النقطة بالذات، وسط هذا البحر القاتل من الأمواج الساكنة بدأت – حقا – الكتابة، بدأت من الصفر، ألقيت بكل شيء فوق الدولاب، حتى هؤلاء الذين أحببتهم، وسرعان ما سمعت صوتي الخاص، وانتشيت به، لقد كان صوتا منفصلا متميزا، يأتي من بعيد، وقد كفاني هذا.

لم يكن يعنيني أن يعتبر الناس ما أكتبه خبيثا، فقد أسقطت كلمة الخبيث والطيب من قاموسي. لقد قفزت بكل كياني إلى تيار الجماليات، حيث لا وجود للأحكام والتعاليم. أصبحت حياتي نفسها عملاقة، لقد وجدت صوتي، أصبحتُ كاملا. لقد كانت تجربة كتجارب البوذيين.

إنني أريد أن أتحدث عن الحقيقة. وأعرف مقدمًا أنه لا سبيل إليها سوى بالكتابة، لم أعد أبحث عن أشياء "أتعلمها" بل عن أشياء " أدركها".

بمرور الوقت، أصبحت أعمل على تنمية هذه القدرات: القدرة على الاستيعاب، والتفهم، التخيل، التصنيف، التخطيط، الإفصاح، فأصبح العنصر الباني في الأشياء يكشف عن نفسه أمامي بسرعة أكبر، ويتلاشى الغموض. إنني أحيا بإحساس عميق "بالديمومة" دون أن يرجع هذا إلى إيمان أو عقيدة. أحيا فقط لنفسي. دون أدنى ذاتية أو أنانية. إنني أحيا القَدَر الذي منحتني إيّاه الحياة، وبذلك أساعد على انتظام الكون.

إنني أساعد -يوميا وبكل طريقة - على إحداث التطور في العالم وعلى إثراء تجربته، أقدم بإرادتي كل ما أملك، وآخذ قدر ما أستطيع. أنا تابع ومتبوع في نفس الوقت. لست أكثر من علامة (=).

يتساوى عندي الآن أن أكتب أو لا أكتب، فقد زال الاضطراب والتوتر، وهذه الحالة المتطرفة من اللامبالاة، هي نتيجة منطقية للحياة مع النفْس.

لم يعد المشكل الحقيقي هو كيف تعامل الناس، أو كيف تخدم المجتمع، بل أصبح كيف تكتشف مصيرك الخاص، أن تجعل حياتك تتسق مع الإيقاع العميق في قلب الكون.

إن الجنة في كل مكان، وعلى ناصية كل طريق، والإنسان لا يستطيع أن يتقدم، إلا إذا سار أولا إلى الخلف، ثم سار في كل الاتجاهات، وارتفع وانخفض. ليس هناك من تقدم في حركة واحدة متصلة.

لا يقوم في ذهني أي تصور مسبق عن أعمالي قبل أن أكتبها، إنني أكتب لحظة بلحظة، أكذب، أزور، أبالغ، أضحك، لا أطيع إلا غرائزي وحدسي.

كثيرا ما أكتب أشياءَ أجدني غير قادر على فهمها، ومن فرط ثقتي أقول: إنه سوف يأتي يوم وتبدو لي هذه الأشياء واضحة ومليئة بالمعاني، إنني أثق في الكاتب الذي هو أنا.

لا أثق في الكلمات -مهما كانت براعة ناظمها- لكنني أثق في اللغة نفسها، وهي شيء يختفي خلف الكلمات. فالكلمات التي لا توجد منفصلة إلا في أذهان صانعي القواميس والأكاديميين، وعندما تخرج الكلمات من سياق اللغة تموت، ولا تكشف أيّ سرّ.

أحبّ أن تنساب كلماتي كما تنساب الحياة، أن تنساب في كل الاتجاهات، وأقبل مقدمًا عجزي عن تحقيق هذا، لكن عجزي لا يقلقني على الإطلاق، فالحياة حُبلى بالفشل. إنها الصورة "الكاملة" "للنقص". يقترب الإنسان من قلب الحقيقة - التي هي هدف كل كاتب- عندما يتخلى عن الصراع على الأشياء، والرغبة في السيطرة، واصطناع القوة.

وإذا كنتُ ثوريا – كما يُقال عني – فأنا لم أتعمد هذا. فقط أنا قادر على أن أعيش الجانب السلبي والجانب الإيجابي للحياة على السواء، إنني فوق السلب والإيجاب، أتنقل بينهما بحرية كاملة، تلك الحرية التي تجيد التعبير عن نفسها عندما أكتب.

أنا لست أسيرا للفن، فهو ليس سوى وسيلة للحياة، وسيلة لأن نحسّ بعمق أكثر، إنه يشير إلى الحياة الحقّة، فإذا أصبح الفن ذاته مقصدًا فقد معناه، والكثير من الفنانين يفقدون الحياة بمحاولة تحديها. أنا مؤمن بأن كل الفنون سوف تختفي يومًا ما، وسوف تصبح الحياة هي الفن الوحيد.


الجمعة، 14 فبراير، 2014

الكاتب المُتَنقّل .. لـ ديفيد إبينباخ


أكتب هذه المقالة من داخل خزانة، لا أقول هذا على سبيل المجاز، مؤخرا انتقلت مع أسرتي إلى شقة صغيرة مكونة من غرفتين مريحتين، والمساحة الوحيدة التي نستطيع تخصيصها كمكتب بصورة حقيقية هي هذه الخزانة.

إنها كبيرة، 5 أقدام في 5 أقدام، ولكنها خزانة رغم ذلك، فيها شماعات، وجدران بيضاء خالية، وقضيب لتعليق الملابس، لا تحوي نوافذ، ولا يميزها شيء، قد تبدو وكأنها خليّة، وهي كذلك قليلا، ولكنها حتى الآن تعمل بشكل جيد. ولكي أكون أمينا، أنا لست متفاجئا، كنت أعلم أنها ستكون على ما يرام، لقد تنقلت بقدر لا بأس به أثناء مراهقتي، كل تنقلاتي علمتني شيئا واحدا، على الكاتب أن يكون مرنًا بشأن مكان عمله.

كمُدرس، كثيرا ما صادفت كتابا مبتدئين، قد يكونون أي شيء إلا أن يكونوا مرنين، قالوا لي أنهم لابدّ أن يكتبوا في زاوية معينة من مكتبة الجامعة، يحتاجون نوعا معينا من الموسيقى، يستطيعون الكتابة فقط بعد الثانية فجرا، فقط في صباحات الأحد، فقط في مفكرة مصقولة الأوراق، فقط عندما يكونون بائسين جدا.. إلخ. وهم في الغالب صادقون.

لقد وجدت المكان المثالي للكتابة، أحب أن أكتب عندما ينام الجميع، ولكن عندما أسمعهم يتكلمون أقلق، ماذا سيحدث عندما يستخدم الخلوة شخصٌ آخر؟ عندما يملّون الموسيقى؟ عندما تسقط المفكرة في النهر وليس في المتجر المحلّي سوى المفكرة العادية الحلزونية التي تطلبها الكلية؟ ماذا سيحدث عندما تتغير ظروف حياتهم كما لا بد أن يحدث ؟ .

والآن، هناك شيء يمكن أن يُقال عن الحالات المثاليّة، لقد كنت محظوظا كفاية عندما كتبت وسط جماعات الفنانين (جماعة مكدويل) و (مركز فيرمونت استوديو)، ولاحظت كيف أنه من السهل جدا أن تكون منتجا عندما تكون لديك مساحتك الخاصة للإبداع، عندما تكون محاطا بالكتاب والفنانين الذين يقومون بأعمالهم، عندما تكون طيلة اليوم بدون مسئوليات إلا الكتابة، عندما يطهي لك أحد طعامك ويغسل أطباقك، بدون شك أنا أنصح بملاحقة هذه الفرص إذا استطعت، ولكن هذه الفرص قصيرة المدى، تستمر عادة لأسبوعين أو لشهر على الأكثر، وليست خيارا لمعظم الناس طوال العام على مدار حياتهم الكتابية .

حتى لو كنت تعدّ لتأسيس شئ ما عظيم للغاية في بيتك، تستطيع أن تحافظ على غرفتك لطيفة على مدار السنة، وأن تحيط نفسك بأشيائك المفضلة، وجزء من الوقت قبل العشاء، يجب أن تكون متأكدا للغاية من أنك تستطيع التعامل مع التغيرات المهمة في بعض المراحل، قد تنتقل، أو قد تجد نفسك مضغوطا لعمل شيء آخر في محيطك، أو تواجه تحولات في جدولك أو مسئولياتك، أو أي قدر من الأشياء الأخرى . و قد تجد أنه من الصعب تأسيس شيئ عظيم في بيتك. وعلاوة على ذلك قد تواجه اضطرابات أو ما هو أقل من توقعاتك، ماذا ستفعل ؟.

عندما تتغير أحوالي، تتغير عادات كتابتي بالضرورة، كشخص وحيد، أكتب في وقت متأخر من الليل، ولكن أن أفعل ذلك كشخص متزوج، معناه أن أذهب إلى السرير في موعد مختلف عن ميعاد زوجتي، قبل أن أكون أبا، كنت معتادا على الاستقرار، وقت الكتابة متواصل، والآن أنا أنتهز أي مقدار عشوائي من الوقت يأتي في طريقي .

الحديث عن وظائف جديدة يعني جداول جديدة وضغوط عمل جديدة . وقبل انتقالنا الأخير، كان لدي مكتب كبير لنفسي، والآن ليست لديّ هذه المساحة، فقط، من خلال كل هذه التغيرات حرصت على إيجاد وسيلة للحفاظ على العمل .

بعد كل شيء – كما أقول دائما لطلابي – هناك سر واحد كي تكون كاتبا: "عليك فقط أن تكتب". فكّر فيها: "كاتب" تلك صيغة الإسم من فعل " يكتب" ، إذن نحن محددون في هذا الشأن من خلال ما نفعله، ولو توقفنا عن القيام بهذا لأن الظرف غير مثالي فنحن في مشكلة .

لحسن الحظ، اكتشفت أن الكتابة ممكنة في جميع الأحوال، منذ عدة أعوام، المكان الذي كنت أدعوه مكتبي، كان متنوعا، ركن غرفة النوم، أو غرفة المعيشة، أو غرفة الطعام، دور سفلي، أو حتى في ركن المقهى، لقد كتبت أيضا في المغاسل، في ممرات المستشفى، والمكتبات، في القطارات، محطات الحافلة، في مقعد الراكب أثناء تجمع السيارات للعمل، على مقاعد الحديقة، وعلى سقّالة جوار صديقي الرسام، في أماكن مألوفة وأخرى لم أزرها من قبل، كتبت عندما كنت سعيدا وحزينا وعندما كنت ضجرا، فعلتها عندما كنت أعمل من التاسعة حتى الخامسة، أحيانا لا أعمل كثيرا، وأحيانا ألتزم بالجدول بحذافيره، كتبت متأخرا في الليل، وباكرا في الصباح، وفي أي وقت آخر من اليوم، والرسالة التي أريد توصيلها، أنني يمكن أن أشير إلى العديد والعديد من قطع استثنائية كتبتها، لم تكن لتخرج لو لم أكن مرنا بهذه الطريقة.

لو كانت القضية هي التغيير، فبدون شك فقدان الألفة أو التنبؤ سيكون عسيرا، لو كنت معتادا على الكتابة تحت شروط معينة، مصادر إلهامك قد لا تستطيع الظهور عندما تكون الحالات مختلفة. لهذا السبب، إستحضار الألفة وخلق الروتين لبيئتك الجديدة يمكن أن يكون مفيدا، ربما يكون لديك تصوّر معين عالق برأسك من مكان كتابتك القديم، يمكن صنعه في مكان الكتابة الجديد . موسيقاك المفضلة ربما تأتي معك عبر سماعات الأذن، في مترو الأنفاق، حتى تتمكن من الكتابة على عجل  بين المحطات، قد يكون هناك طقوس ما قبل الكتابة، تمارين رياضية، أو قهوة، أو قرابين تقدم للآلهة، هذا يمكن تكراره بغض النظر عن مكان وجودك، كل هذه الأشياء هي نوع من الإشارة للإلهام، أو – الأفضل من ذلك – تغيير إشعار العنوان، ستقوم بتحديث الإلهام، حسب مكان الكتابة، في ذلك اليوم بحيث تكون متأكدا من أنك ستقابله .

أيضا تستطيع أن تحاول خلق - ليس المألوف فقط -  ولكن شيئا يشبه الظرف المثالي الكامل، ما هي الملامح التي تجعل مكان الكتابة أو وقت الكتابة منتجا بشكل استثناني بالنسبة إليك ؟ لو كنت تحب الهدوء والصفاء، فمن المنطقي البحث عن أكثر الأماكن هدوءا وصفاء، أو إحداث بعض الضوضاء البيضاء في المكان الذي حصلت عليه، إذا كنت تعمل أفضل عندما يكون الجميع نائمين والليل لم يعد متاحا لك، جرب الصباح الباكر، إذا كنت تزدهر وسط الضجيج والحركة، قد تحتاج إلى الخروج من المنزل . النقطة هي أنك لو كنت تفكر كثيرا في ما الذي يساعدك لتكتب، ربما تكون قادرا في النهاية على تحقيق ما لا يقل كثيرا عن الوضع المثالي .

وفي الوقت نفسه، يجب أن يضع الكُتّاب قليلا من الجهد النشط لاحتضان أي تغيرات يواجهونها، فهذا جيد للعمل .
الشيء اللطيف في الأمر، أن تغيرات الظروف ( الوقت – المزاج – وما إلى ذلك ) يمكنها أن تثري محتوى الكتابة، في حين أن الروتين الثابت يجعل عملك ثابتا أيضا . إذا كنت تكتب دائما والآخرون نيام، على سبيل المثال، ربما ستجد أن عملك ينتهي دائما بعرض الأصوات والأحاسيس والمشاعر ليلا، ليس هناك ما يضير في الليل، لكنني لا أريد أن أكون محدودا به، المواقف الجديدة – على جانب آخر – يمكنها أن تحضر تشبيهات جديدة، خلفيات، أفكار، والمزيد . إيقاع حركة القطار، يمكنه أن يظهر في شِعرك . غسيلك للملابس يعطيك مجموعة مختلفة تماما من المُدخلات الحسيّة، أكثر مما يفعله المقهى، الكتابة من الغضب بالتأكيد تعطيك نتائج مختلفة عن الكتابة من الهدوء.
أي شيء جديد أو غير معتاد فرصة لتظهر بشكل مثمر في العمل.

وما هو البديل لو رفضنا الكتابة دون أي شيء سوى الكمال، أو الظروف المألوفة الكاملة؟ ما أقترحه، أننا يجب ألا نكون عبيدا لما نعده ظروفا مثالية، وبدلا من ذلك، يجب أن نصمد تحقيقا لهذا الهدف: السعي، ليس من أجل الأوضاع الجامدة، ولكن من أجل أن نكون كتابا يستطيعون انجاز أعمالهم عندما يكون الوضع جديدا، أو غير مألوف أو غير ملائم. بطريقة أخرى، يجب أن نسعى كي نكون كتابا متنقلين، كتاب يمكنهم أن يتموا أعمالهم في أي مكان، وتحت أي ظرف .

الجمعة، 17 يناير، 2014

حينما قابلت "سيرجي"

"اعزفْ يا بنيّ، فالملائكة تفصح عن سرّها في دمائك حين تفعل"
يبدو أن أمّ "رحمانينوف" كانت تمتلك خيالا شاعريا رهيبا كي تحفزه بقولها الجملة السابقة.

"موتسارت" و"بيتهوفن" أسماؤهم منتشرة للغاية - وهمّ موسيقيون عظام - لكنّ من يصل إلى "رحمانينوف" فقد وصل إلى واسطة العِقد، إلى الذروة، وأيّ مهتم بالموسيقى الكلاسيكية – أو بالموسيقى عموما – لابدّ أن يعرفه جيدا.
ويخبرني عن بلادٍ يحاصرُها الثلجُ
قال: " المحبونَ في بلدي يتركونَ العشيقاتِ في الصيفِ"
قلتُ: " وهل لاكتئابِكَ حلٌ سوى أن تؤلفَ كونشرتو"

ولد "سيرجي رحمانينوف" في 20 مارس 1873 لعائلة أرستقراطيّة في محافظة نوفجورود الروسيّة، تلقى تعاليم الموسيقى في سن مبكرة على يد والدته، ثم التحق في سن التاسعة بكونسرفتوار بطرسبرج، وأكمل الدراسة عام 1888 في كونسرفتوار موسكو، خلال هذه الفترة، تعرف على "تشايكوفسكي" العظيم الذي شارك في تحديد مصيره، وصار واحدا من أساتذته.

أظهر تفوقا ملحوظا خلال سنين الدراسة، فنال أوسمة لا تُمنح إلا للطلاب المتفوقين، عمل كقائد أوركسترا بداية من عام 1897، وإلى جانب شهرته كعازف بيانو ممتاز، فقد اشتهر أيضا كقائد أوركسترا للتفسيرات المختلفة التي يقدمها الأوركسترا تحت قيادته للمقطوعات التي يعزفها.

توضيح بسيط: المايسترو لا يهدد أعضاء الأوركسترا عندما يحرك العصا، بل يشير إلى كل عازف أو مجموعة عازفين بعلامات متفق عليها، تضمن التدخل في التوقيت المناسب، المايسترو قد يغيّر أماكن الوقف والسكت والوصل، يقصرها قليلا أو يجعلها أطول، قد يسرع الإيقاع أو يبطئه، حسب فهمه للمعاني المُراد توصيلها من المعزوفة، لأن الموسيقى الكلاسيكية تعتمد على الهارموني، حيث تُعزف أكثر من آلة في وقت واحد.

عامله كثيرٌ من النقّاد على أنه مجرد عازف بيانو ممتاز لا كمؤلف موسيقي، خاصة بعد أن نال كونشرتو البيانو الأول فشلا ذريعا، وقد وصفه بعض النقّاد بأنه مُعجِز في ردائته، وأنه شبيه بالأوبئة التي اجتاحت أوروبا في القرون الوسطى !.

وإضافة إلى ذلك رفضت الكنيسة زواجه من قريبته "ناتاليا ساتينا" فأصابه الاكتئاب وتوقف عن التأليف فترة طويلة، وتلقّى العلاج النفسي على يدّ صديقه الطبيب النفسيّ الموسيقار "نيكولا دال" وبعد حين سمحت الكنيسة بالزواج من "ناتاليا" التي سترافقه طيلة حياته، وذلك بعد الإذن الإمبراطوري من "نيكولاي الثاني"، تغيّرت حالته المزاجيّة تماما،وعاد إلى التأليف عام 1900  فكتب أهمّ مؤلفاته وأشهرها " كونشرتو البيانو الثاني"، وتوالت مؤلفاته حتى غادر روسيا عام 1917 .

بعد الثورة البلشفيّة فرّ "سيرجي" إلى السويد ثم الدنمارك واستقر نهائيا في نيويورك عام 1918، هذه الفترة نقطة تحوّل كبيرة في حياته، عُرِض عليه أن يعمل مدرسا للبيانو فرفض لأنه لم يجد في نفسه أي ميلٍ للتدريس، وعمل بعد ذلك قائدا للأوركسترا، أثرت الهجرة عليه سلبا، لم يعجبه استقبال الجمهور الأمريكي لمؤلفاته، توقف عن التأليف مرة أخرى لعدة أعوام، عام 1926 عاد بمقطوعة من أهم وأجمل أعماله "رابسودية باجانيني".

تعبتُ من الحدسِ
لم يحتفِّ التافهونَ بأيِّ سوناتا
بلاديَ تملؤني حنقًا
الكمانُ لهُ وقعُهُ
كالنساءِ اللواتي تراقصنَ
في حفلةٍ للربيعِ البديعِ مُطِّلاً على موسكو
والبيانو شريدٌ هداهُ الطريقُ إلى جُرحنا
كي يرتِّقَهُ دونما ألمٍ

نحن أمام مؤلف موسيقي عنيد مثابر، اختلطت الموسيقى بلحمه وعظامه، ما يميزه أنه جمع بين العديد من المتناقضات، موسيقاه تحمل حسّا رجوليا فخما يشبه الزئير في بعض الأحيان، وأيضا هي رقيقة حالمة أقرب إلى مناجاة باكية، تراتب النغمات دقيق منطقي صارم، لا يقبل الخطأ  أو الارتجال، وأيضا هو رشيق سلس، وهذا هو جوهر فهمه للموسيقى كما قال موضحا لإحدى صديقاته: "كل قطعة أعزفها متمحورة حول هدف معين، ويجب أن تؤدى بنقاء وتدرج، حتى يصل العازف الى ذروة الهدف بشكل يبدو طبيعيا".

كونشرتو البيانو الثاني:
الافتتاحية مهيبة فخمة، ضربات بيانو متصاعدة قوية، ثم تدخل الكمنجات بلحن بسيط قوي لن تسمع أروع منه، حزن شفيف داكن، براءة جريحة، زئير رجولي غير مُباح به، ثم يعود البيانو للظهور مرة أخرى، رقيقا حانيا، يبوح بسر ألمه للهواء والأشجار وإسفلت الطريق، يتوالى حوار الكمنجات والبيانو، يمتزجان معا في جدائل مصنوعة بعناية وباحساس فائق، تتكرر الجملة الموسيقية الرئيسية بأكثر من طريقة، كل طريقة أكثر عذوبة من الأخرى.

تدخل الفلوت في الخلفية من بعيد ترد على البيانو والكمان، كأنها توميء أو تشير، أنا أشعر بكما، أفهمكما لكنني بعيد لا أستطيع أن آتي، تتعالى الكمنجات من أعلى نقطة ممكنة، نداء شاهق حار، ثم تعود الجملة الرئيسية تتكرر بسرعة أكبر مرة أخرى، كأنه تنفس سريع من أثر كتمان البكاء، الكمنجات ترافق البيانو طيلة الوقت، ترد من ذات النغمة بطريقة أخرى، ثم تهدأ ويختفي الايقاع، بعد انتهاء الشحنة الانفعالية، فقد آن للبيانو أن يستريح قليلا .

هذا الكونشرتو تحديدا عبارة  عن حوار مطول شفيف بين البيانو والكمان، وضع فيه رحمانينوف كل طاقته الانفعالية وقدراته الموسيقية، وأهداه إلى الشخصين الذين وقفا بجانبه خلال تلك الفترة العصيبة من حياته "ناتاليا ساتينا" و"نيكولا دال" .

الفيديو التالي هو الحركة الأولى فقط من الكونشرتو المكون من 3 حركات، لو أعجبك فأكمل ثم اسمع بقية مؤلفاته، وإن لم يكن فاعتبرها مجرد صدفة للتعرف عليه كما تعرفت عليه أنا أيضا صدفة، وفي حالة الاعجاب به أوصي بسماع "رابسودية باجانيني " فهي من أهم مؤلفات رحمانينوف كذلك.

كان إيقاعيَ العفويُّ سبيلاً جديدًا لقلبي
ولم أفهمْ الكلماتِ
احترستُ من الوقتِ بالصمتِ
أَنشُد شيئًا يلوحُ من الأفقِ البرتقاليِّ والليلِ
تدفئني الخمرُ "
قلت: " رأيتُ الحنينَ يُطِلُّ من الهذيانِ المنغّمِ
ماذا فعلتَ لتبلغَ هذا ؟! "
فقال: " تذكرتُ أميَ وهي تطمئنني
وتقولُ : " الملائكةُ الآن تفصحُ عن سرِّها في دمائيَ حين عزفتُ "
وقام لينظرَ نحو الطريقِ ويُنصتُ للضوءِ
قال لعلي أرى نغْمةً يحتويها
يمدُّ يديه ليكتبَ ما قالَهُ الهذيانُ
وأنهى زجاجتَهُ وانتشي
يتلاشى قليلاً قليلاً
وقال : " سلامٌ عليك
تشاركني ثِقَلَ الليلِ 
شكرًا لأنكَ تقرأني جيدًا "



الاثنين، 6 يناير، 2014

عن الكتابة


كن شرسًا في الدفاع عن أيّام الكتابة، لا ترضخْ لحاجاتك التي لا تنتهي، الأساسيّات والأشياء التي طال انتظارها تجتمع في هذه الأيام.

ج . ك . رولينج



أنت لا تكتب لأنك تريد أن تقول شيئًا، أنت تكتب لأن لديك شيئًا تريد أن تقوله.

سكوت فيتزجيرالد



اكتب كل يوم. اقرأ بشكل مكثف . وشاهد ماذا سيحدث. معظم أصدقائي الذين اتبعوا هذه الطريقة حققوا تقدما ممتازا.

راي برادبوري




لا شيء أعظم ألمًا من احتمال قصة غير مروية بداخلك.

مايا أنجيلو



نحن نكتب كي نتذوق الحياة مرتين، مرة حين نحياها، ومرة باستعادة الأحداث.

أناييس نن





لو قال ليَ الطبيب أن لديّ 6 دقائق فقط وأموت، لن أفكر في الأمر، سوف أكتب أسرع.

إيزاك أزيموف






أفضل وقت لتخطيط كتاب هو وقت تحضير الغداء.

أجاثا كريستي



لا تكتب الجملة الأولى حتى تُكتب الجملة الأخيرة.

جويس كارول أوتس



هناك ثلاث قواعد لكتابة رواية ، مع الأسف لا يعرفها أحد.
سومرست موم



لا أظن أن شخصا سيئًا قد يكتب كتابًا جيدًا، لو لم يجعلنا الفنّ أفضل، إذن..ماذا على وجه الأرض يمكن أن يفعل.
آليس والكر




الكاتب كثير الشكوك يسأل نفسه أربعة أسئلة - على الأقل - مع كل جملة يكتبها:-
1-  ما الذي أريد أن أقوله ؟
2-  ما الكلمات التي ستعبرٍ عنه ؟
3-  ما الصورة أو الأسلوب الذي سوف يجعله أكثر وضوحًا ؟
4-  هل هذه الصورة طازجة بشكل كافٍ لكي تُحدث تأثيرًا ؟
ومن المحتمل أن يسأل نفسه سؤالين آخرين:
1-  هل وضعتها قريبة كفاية ؟
2-  هل قلت أيّ شيء قبيح قابل للتجنب ؟
جورج أورويل

الأربعاء، 1 يناير، 2014

قواعد النثر الجيّد

( تراسي كيدر ) قاصّ مشهور، ومعروف كأديب صحفي، للطريقة التي يجمع بها بين القصة وبين الأبحاث المستفيضة، هو مؤلف (بين تلاميذ المدراس) و(روح الآلة الجديدة) التي فاز من خلالهما بجائزة (البوليتزر) عن مجمل أعماله، (كيدر) يقدم لنا كتاب " النثر الجيد : فنّ القصّة"
1.     أن تكتب يعني أن تتحدث إلى الغرباء، يجب عليك أن تُلهم الثقة، أن تبدو جديرًا بالثقة .
2.     من الحكمة دائما أن تتذكر أنه ليس هناك سوى (تولستوي) واحد و(ديكنز) واحد فقط .
3.     لا تركّز على الأسلوب، ومعنى هذا أن تركّز على نفسك. إعطِ نفسك لقصّتك .
4.     لا يريدك القارئ أن ترضيّه، بل يريد منك أن تصل بهِ إلى مكان ما .
5.   من أجل قصّة لديها فرصة للحياة، من الضروري أن يكون هناك شيء ما على المحكّ، مطاردة السيارات ليست مطلوبة .
6.   حاول أن توائم نفسك مع صوتك الخاصّ في الكتابة، إذا لم تستطع أن تتخيل نفسك وأنت تقول شيئا ما بصوت عالٍ؛ إذن فربما من الأفضل ألا تكتبه .
7.   خلق الأسلوب غالبا ما يبدأ بإنتاج سيء، ومن خلال رفض ما يأتي بسهولة، يمكنك أن تخلق مكانك الخاصّ في الكتابة .
8.     كُن مستعدًا لمفاجأة نفسك .