الاثنين، 11 نوفمبر، 2013

" لماذا أكتب؟! " للروائية الأمريكية Meg Wolitzer

 لماذا أكتب؟
ككاتبة أعتقد أن هذا ممتع، حين تفكر في أن الجزء الأكبر من حياتك موجه نحو عمل يمتصك إلى أبعد حد، أظنّ أن هذه قد تكون صفقة عادلة لحياتي، خاصةً حين أسعي للتحرر من القلق. باستغراقي في الكتابة – إذا كانت تسير بشكل جيد - أستطيع أن أُنحّي القلق من العالم جانبًا.
الكتابة هي الشيء الوحيد الذي أعرفه يستطيع أن يفعل ذلك، تصبح الكتابة مكانا حصينا لا تستطيع الأشياء المؤذية دخوله، تكون أنت حارسه، ولديك عليه سيطرة مطلقة، أين تستطيع أن تجد هذا ؟ أنت لا تستطيع أن تسيطر على الآخرين أو على علاقاتك أو على أطفالك، ولكن في الكتابة لديك مساحات شاسعة أنت مسئول عنها مسئولية تامة.

قالت Zady Smith* : "أكتبُ كي أكشف عن طريقة وجودي في العالم، وعن وعيي، وما وعيي سوى نفسي، وخبراتي، والتغييرات التي صنعتها ورأيت نتائجها؟".
هناك نوع آخر من الكُتّاب، يكتبون كي يقابلوا أشباحهم، لست شجاعة إلى هذه الدرجة، بمعنى من المعاني، أريد أن أرمي عندما أكتب، لا أقرأ أو أكتب للهروب، هذا ليس هروبا، ولكنني لا أستطيع أن أسميه، فعندما أكتب، أريد أن أحقق نوعا من التعديل، كي أخلق من العالم المشوه عالما ممتعا.
بالإضافة إلى ذلك، فأنا أحب الأثر الجسدي للكتابة، فهي تعطيني نوعا من القوة الوردية !، مثل حفلة تريدها كمكافأة ختامية. أشعر برضا عميق عندما أعمل على تطوير جزء ما في رواية. زوجي كاتب علوم، وهو الأقرب إليّ، دائما أذهب إلى عالمه كي أعمل على الألغاز الكونية والنظريات.
أنا ماهرة في لعبة الكلمات، وأستخدم الألغاز الكتابيّة مع كاتبتي المساعدة (جيسي جرين)، وعندما كنت في طريق العودة من نيويورك ابتكرتُ ألغازا للعبة الكلمات المتقاطعة تُنشر أسبوعيا في مجلة *7 Days .
أحيانا أفكر في أن الكتابة قد تكون مشفرة وعامرة بالدلالات، سريّة وأنيقة . ما سبيل الخروج من غرفة الجحيم المُغلقة في رواية تسير على غير هدى ؟، عن نفسي أقفز لأعلى ولأسفل – بمهارة وثبات- حين أصل إلى حل لمشكلة في قصتي. استنباط الحل نوع من التمرين على إعطاء نفسك شيئا لن يستطيع أحد إعطائك إياه، وهذا شكل شخصي للغاية من أشكال الواجب المنزلي.
أكتب كي أتوصل إلى فكرة أريد أن أخرجها من رأسي بأي شكل، كي أكوّن منها شيئا متماسكا. هذا امتداد طبيعي لثرثرتي الداخلية، وحين تجتمع ثرثرتي الداخلية مع الإلتزام ينُتجان كتابا.

الكتابة لأمي
عندما كبرت كنت في موقف غير عادي إلى حد ما، كانت أمي كاتبة، وعلى العكس مني بدأت الكتابة متأخرةً، كنت في السادسة أو السابعة عندما باعت أول قصة قصيرة لها لمجلة Saturday Evening Post في إصدارها القديم، رأيت جهدَ وانفعالَ تجاربِها. وعندما بدأت الكتابة كتبت من أجلها.
في الصف الأول، كانت مُدرستي تدعوني إلى مكتبها، أمُلي عليها قصصي، لأنها كانت تستطيع كتابتها أسرع مني، أمي احتفظت بكتاباتي، وأعدتُ قراءتها الآن، أستطيع أن أرى أنني بدأت الكتابة باعتبارها وسيلة لاكتشاف العالم. وبعدما كبرت قليلا، كنت أهرول عائدةً إلى المنزل وأجعل أمي تقرأ ما كتبت، كنت أعلم أنها ستعطيني استجابة مُشجِعة.
ذات مرة، حين كنت أقرأ قصصي على مجموعة من الحاضرين، وقفت امرأة عجوز وقالت أن ابنتها تحاول أن تصبح كاتبة، وأنها قلقة من أن ابنتها قد لا تستطيع أن تبني حياتها، قلت أنها يجب أن تشجعها، وأن العالم سوف يفعل أفضل ما يمكنه كي يضع العوائق أمام ابنتها، ولكن على الأم ألا تفعل ذلك أبدا.
كنت أدرس مع الكاتب الكبير John Hawkes –كنا ندعوه جميعا Jack – وفي يوم ركضت إليه في حرم الجامعة، ولأنني كنت أريد أن أجعله سعيدا، كذبت وقلت "لقد انتهيت حالا من كتابة قصة"، ثم ركضت إلى البيت وكتبتها فعلا.

عــــــار
بعتُ أولى رواياتي لـ *Random House مقابل 5000 دولار، وخرجتْ بعد 18 شهرا، كنت أستعد للذهاب إلى ستانفورد للدراسة، ولكنني بدلا من ذلك قررت الذهاب إلى نيويورك، حتى أرى إن كنت أستطيع أن أكون كاتبة.
عشتُ في Village* ، وأكلتُ أطنانا من الأكل الهندي، لم يكن تركيزي على المال. ما أردته هو أن أبيع رواياتي، وأن أعيش ككاتبة.
قبل أن أذهب إلى نيويورك، ذهبت إلى Macdowell colony*  - كان ذلك منذ فترة طويلة- ومعي جيتاري، جلست تحت شجرة وعزفت مقطوعة *The Water Is Wide . والآن هل اختلفت كثيرا عن تلك الفتاة حينها؟ إطلاقا !، فالعيش مع سخافاتنا شيء على الكُتّاب أن يفعلوه!.
خلال الأعوام القليلة التالية، ظللت أبيع الروايات لإحراز التقدم تدريجيا. لقد كان عصرا مختلفا، ولم يحدث أن فكرت كم عدد النسخ التي بيعت من رواياتي، سواء إن كانت كثيرة أم قليلة، بكل بساطة شعرت أنني ناجحة، فقط لأنني صرت أنشر كتبي، كنت ممتنة وسعيدة. ولم يخطر على بالي أن هذه البهجة قد تزول .
بعض الكتاب اختفوا في نهاية المطاف، هل حدث هذا لأنهم لم ينشروا بعد ذلك؟ هل لأنهم توقفوا عن الكتابة؟، في بعض الأحيان لا أعرف حقا.
لم يكن لديّ مال حتى عام 1992، عندما تحوّل أحد كتبي إلى فيلم، كان توقيتا ممتازا، وكان لدي طفل، لم تكن عندي أي فكرة كيف سأكتب وكيف سأكون أما. صفقة الفيلم أعطتني وقتا، جعلتني أفرّ من طاحونة الكتابة والتدريس.
والآن، قد عدت إلى العمل في هذه الطاحونة مرة أخرى، فلدي ابن في الكلية، وآخر هنا يكبر بسرعة، وكما ذكرت سابقا، فزوجي كاتب أيضا، كلانا حياته هشة، نحن نجري التعديلات التي نحتاجها، ولا أرى أيّ إحساس بالعار من عمل أي شيء تحتاجه لتعيش ككاتب، هذا مرهق، لكنه ممتع.
ذات مرة، كنت في سيارة مليئة بالكتاب، ذاهبين إلى حدث ما، والجميع في المقعد الخلفي يتحدثون عن الإخفاقات وخيبات الأمل، فجأة التفت السائق إلينا وصرخ قائلا:"كلكم موهوبون، فلماذا تشعرون بالعار؟" ضحكنا من أنفسنا، وعرفنا أننا نصف إحساسا يشعر به الكثير من الكتاب.

أحيانا زيوس .. أحيانا لا !
لدي أنواع مختلفة من أيام الكتابة، مع بعض الكتب كان عندي هذا التدفق الآتي من "زيوس"!، تلك تجربة مثمرة، ولا تحدث كثيرا، قد يستمر استغراقي أياما، يتساقط خلالها العالم بعيدا، أعيد صياغة محتويات عقلي بدقة على الورق، عندما كنت أكتب رواية The Position  ، تملكني شعور أنني أنسخها بوضوح، أنهيتها سريعا، كانت مهمتي أن أنسخها كسكرتيرة.
ومع كتب أخرى قد تمر أيام وأيام من الإعياء والفتور، ومن خلال خبرتي، يصل الأمر إلى هذه الدرجة بسبب ضرورة خاطئة، أو لأن الضرورة لم تتحقق بالكامل في صميم الكتاب.

الضرورة
عندما أكتب، أسأل نفسي سؤالا حتما سوف يسأله القارئ للكاتب: "لماذا تقصّ هذا عليّ ؟"،يجب أن تكون هناك لهفة مغرية، أو يكون مغزى الكتاب موضوعا طازجا، القصد أن ما يتضمنه الكتاب هو المعلومات التي تحتاجها دائما.
لو لم تأتِ إجابة السؤال:" لماذا تقصّ هذا عليّ ؟" بسرعة، ولو لم أكتب دون مطالب ملحة، فتلك إشارة أولية إلى أن هناك شيئا ما ناقص، عندما تسير القصص أو الروايات على غير هدى، فقد فقدت ضرورتها، فقدت منطق وجودها.
الضرورة: هي نوعٌ من ربط التصورات الكامنة وراء الأحداث باللحظات الخارجية الطارئة.
مثلا: أنا أربط القضايا السياسية بالفن. أنت تفهم جيدا أنّ ما يجري في العالم قد يمكن تصحيحه، سواء إن كان غير مناسب اجتماعيا، أو تنقصه الحقائق، وهذا ما يزودك به الفن: رؤية أكثر شمولا، ووجهات نظر من زوايا مختلفة لم يكن باستطاعتك أن تراها.

منذ أعوام، بعت رواية بطلتها مريضة "أنّا فرويد" الشهيرة "دورا"، كُتبتْ من وجهة نظرها، خاصة محاولتي جعلها تحكي قصتها بدلا من أن تحكيها "أنّا فرويد".
استمتعت أثناء كتابة الخمسين صفحة الأولى، ورحلتُ إلى "فيينا" للبحث عنها، ثم لم يمض وقت طويل حتى أدركت أنني لا أريد إتمام هذه الرواية، كانت بصيغة المُتكلم، وشعرتُ أن اللغة التي أكتب بها متكلفة، لأنها كانت تعيش في عصر قديم. عدّلتُ السرد وجعلتها تحكي، كان هذا جيدا نظريا، لكن ليس في الواقع، ومنذ أن عرفت ذلك فقدتُ ضرورة كتابتها.
بعض الروايات تشبه التجاويف العميقة، تحتوي العالم كله فيها، وعلى الكاتب والقارئ أن يحفروا قليلا كي يجدا ما يبحثان عنه، والبعض الآخر مثل أوعيةٍ هشّة، هذا النوع يجب أن يكون الأخير.
اندهشت من عنائي الجمّ - لأنني كنت مهتمة للغاية بالتحليل النفسي- واعتقدتُ أن رواية مثل هذه – رواية دورا- ستكون فرصة للكتابة عن هذا الأمر بالقوة، لكنني وجدت نفسي أعتمد بشكل كبير على الذاتيّة، وهي بالنسبة إليّ شيء أشبه بالمصيدة.
الذاتيّة قد تقتحم سطوع الجُمَل، تقسّمها، تجعلها مجرد موضوعات منفصلة، وهذا إما أن يضيف إلى قوة العمل أو يجعله مجرد سرد رائع لكنه بسيط يفتقر إلى القوة. رحلتي إلى "فيينا" انتهت إلى فقرة واحدة في روايتي التالية بعدما تركتُ "دورا" وعالمها؛ أي شيء قد ينتج حساءً جيدا في النهاية، إن كان في إطار لا يمكن التعرف عليه! .
أصعب وقت يمر عليّ ككاتبة قبل أن أجد فكرة الكتاب الرئيسية، لو وجدتها أشعر بالاطمئنان، مثل مريض ربو وُضِع له جهاز الاستنشاق!.

قبل وبعد
قسمت حياتي في الكتابة إلى قبل وبعد أن أكتب The Wife ، لا أحب كثيرا مما كتبته قبل هذه الرواية، كنت لا أزال أحيا في عالم من العبارات ترضيني أحيانا لكنني لم أكن سعيدة بها. ككاتبة كنت مقيدة ومتحفظة قليلا، محتفظةً بإدراكي الذاتي للتعبير الجمالي، كنت قلقة من أن النتائج قد لا تكون قوية كفاية.
الكتب التي كنت أقرأها في ذلك الوقت كانت أقوى بكثير مما أكتب، وبينما كانت لدي بعض التحفظات على أعمال Philip Roth  كنت أحب تطورها. ما الذي منعني من الكتابة بهذا التوهج الذي أشعر به عندما أقرأ؟ هذا التوهج الذي أخذته مباشرة عندما كتبت The Wife .

حجر، ورقة، مقصَ
تخيلت رواية The Uncoupling كشكل معاصر من *Lysistaria؛ بدأتها أثناء حكم بوش الابن، كنت مرهقة – مثل الآخرين- من حروب الولايات المتحدة التي لا تنتهي حتى بدأت في أفغانستان والعراق. بدايةً، ظننت أن The Uncoupling سيكون لها محتوى ذا مغزى عن الحرب.
ثم حدث تغيير أثناء الكتابة، أعرف دائما أنني أكون كالمهر الحرون من باب الإحساس بالواجب!، عَلِق في رأسي مشهد ما، أدركت أن هذا المشهد العالق لن يكون مفضلا لدى القراء غالبا، ومن المحتمل ألا يكون في الكتاب، تصورت هذا، ثم عرفت ما أريده حقا، فقط؛ أردت أن أكتب عن البعث وهزيمة الموت.
في عقلي كان هذا نوعا من لعبة "حجر- ورقة - مقص" ؛ في النهاية، ما أثار اهتمامي في حبكة Lysistaria ككاتبة، ليس المرأة التي تستخدم تأثيرها الجنسي لإنهاء الحرب، ولكن الطريقة التي تسمح بها المسرحية لإلقاء نظرة على الشهوة الجنسية، وعلى الإنهاك الجنسي في الزواج، وقد تسمح لي مع مرور الوقت لإلقاء نظرة على الحياة الجنسية للأنثى، لذلك أعدت تخطيط الرواية بأكملها.

عرفان بالفضل
هذه ليست عصور تأملية لكن الكتابة عمل تأملي، ما أقصده أن هناك شيئا عميقا متمهلا يأخذ حينا من الوقت حتى يفصح عن نفسه، وهو لا يتماشى مع سرعة أيامنا الحالية.
أحسد مَن لديهم مالا أكثر من الحاجة، لأن وطأة كسب العيش تُلقي عليهم بثقلها، اعتبرت بقائي ككاتبة أمرا مفروغا منه، وأعرف كم أنا محظوظة لأنني نجحت في هذا.

نصائح ميج وولتزر للكتاب
-   الكتابة نافذة المفعول يجب أن تكون مركزة، أنت لا تختار أوقات عشوائية لتكتب عنها فحسب، بل تلتقط لحظات مألوفة وتسلط الضوء عليها، كما لو أنها جافة جامدة، وبالتالي فإن القارئ سيصب عليها الماء.
-   لكي تجد الفكرة التي ستوجّه كتابك، قد تكتب فصلين بحرية تامة، ثم القِ نظرة على ما صنعت، بعد ذلك سوف تستنتج بنيتها، ثم اذهب لتكتب.
اكتب مثلا 80 صفحة لا 100 صفحة، لأنك لو كتبت 100 صفحة ثم وضعتها جانبا قد تشعر أنك أضعت الكثير من الوقت بلا فائدة، أوصي أحيانا بكتابة 80 صفحة كحد أقصى- تلك مجموعة كبيرة من الصفحات تجعلك فخورا بانجازها-  ثم استعرض الصفحات مرة أخرى وابدأ في تحديد اتجاه الكتاب.
-   دائما أسأل أصدقائي الذين أثق بهم عن الهدف من الكتابة، وأنصت إلى ما يقولون باهتمام، كن متأكدا من اختيار الجديرين بالثقة " القراء الذين يعرفون ما يريدونه جيدا".
-       لا يستطيع أحد أن يبعدك عن الكتابة، ولا يستطيع أحد أن يعطيك إياها.. سيّان .

هوامش:
1-                ZAdy Smith : روائية بريطانية
2-                مجلة أسبوعية في نيويورك
3-                دار نشر أمريكية
4-                مؤسسة لرعاية الموهوبين
5-                أغنية شعبية أمريكية

6-                مسرحية للكاتب اليوناني أريستوفانس