الاثنين، 14 أكتوبر 2013

كي أعيش أكثر


أظنّ أنني كنت سأتجه إلى القراءة وحدي، ولكن ربما أخذتُ وقتا طويلا، لكنّ حوادث معينة عجلتْ بهذا، أرادت أمي أن تمنعني – أنا الصبيّ كثير الحركة - من نزول الشارع فقدمت لي كتابا، كنت في التاسعة من عمري تقريبا، تمردتُ قليلا في البداية، لكنها كانت تزيد الإغراءات في كل مرة، أعطتني كتب مغامرات ومجلات بصور ملونة، ورويدا رويدا استسلمت، ونجحت حيلة أمي، فتحت لي أبواب العوالم السحرية، لم أعد أنزل الشارع، وأيضا لم أعد أقرأ الكتب الدراسية المملة!.

صرت أقرأ في كل وقت وفي أي مكان، احتلت المجلات المصورة كل اهتمامي وقتها – مجلة ماجد وعلاء الدين ومجلات الكوميكس المترجمة في لبنان وتان تان- ثم تعرفتُ على الشياطين الـ13، ثم كتابات (أحمد خالد توفيق) و(نبيل فاروق) الذي لفظته سريعا، صرت أقرأ بشكل شبه قهري يوميا، وإلى الآن لا أستطيع أن أنام دون أن أقرأ أي شيء، ولم تكن أمي تعلم أن كل كتاب سوف يُغني خيالي حتى يفيض مني بعد حين.

فجأة انتبهتُ إلى المكتبة التي صنعتْها، اشترتْ إصدارات مكتبة الأسرة المتاحة، كأنها تعرف أن يوما ما سيأتي وأنتبه للكتب، اخترتُ أكبرها "حديث عيسى بن هشام" للمويلحي، اخترته كي أرى نظرة الإعجاب والرضا في عيني أمي وأبي، كنت صغيرا لا أفهم كل الكلام، بطبيعة الحال لم أكمل الكتاب لضخامته – حتى الآن لم أكمله- كذلك قرأت صفحات من رواية "أيام الإنسان السبعة" واكتشفت روعتها فيما بعد.

كبرتُ وكبر الشغف، كنت شبه مقيم في مكتبة المدرسة، أحضر أول حصتين، وبقية اليوم أقرأ وأشارك في تنظيم الرفوف وترتيب الكتب، وكان انضمامي إلى "جماعة المكتبة" مسوغا جيدا كي أظل فيها طيلة النهار؛ أضافت لي القراءة رصيدا من الحب والاهتمام لدى الأساتذة، أشارك في المسابقات، وفي إعداد برنامج الإذاعة، حمتني من صخب الفناء المدرسي ومن الحصص العقيمة، ولما شعرت بالتميز عن أقراني عرفت أنني على الطريق الصحيح!.

في البيت تعودتُ أن أقرأ ممددًا، سواءً على السرير أو على الأريكة، والنور النيون الأبيض فوق رأسي تماما، لا أنام دون أن أقرأ، أضع جواري كتابين، كتاب أقرأه قبل النوم– وعادة ما يكون كتابا خفيفا أو مجلة – وكتاب رئيسي أقرأه حين أستيقظ مباشرة، أقرأ حتى يذوب النعاس، ثمّ أعود له بعد حين في جلسة القراءة الرئيسية التي تمتد لساعتين تقريبا، وأحيانا أذهب للقراءة في مقهى (أندريّا) المطل على النيل، وذلك غالبا ما يكون في شهور الاعتدال، مارس وابريل /سبتمبر وأكتوبر.

لم أستعمل الـBook Mark  أبدا، أعتمد على الطريقة التقليدية، أثني طرف الصفحة الأعلى، أو أضع الكتاب مفتوحا على الصفحة التي انتهيت عندها، ولا أفعل هذا في الكتب الكبيرة كي لا تتفسخ، لو نمت محتضنا الكتاب أستيقظ على رائحة الورق، أحب ملمس الورق الخشن، وصوت حفيفه – خاصة لو كان الكتاب قديما - أجري بعينيّ على السطور، أتمهل لو كان جيدا، أتشربه كلمة كلمة، حتى لو قرأته في وقت طويل.

بعد حين، اتجهت إلى قراءة الكتب بصيغة PDF ، هناك كتب كثيرة أريدها غير موجودة ورقيا، أو لأن ثمنها غالٍ، دربت نفسي كثيرا كي أعتاد القراءة من شاشة الحاسوب، وهذه السنة اكتشفت أن الكتب التي قرأتها PDF، أكثر من الكتب الورقية! ؛ صحيح أن هذا منع حواسي من الاستمتاع بفعل القراءة، ولكنه بديل لا غنى عنه.

كان لموقع GoodReads أهمية قصوى بالنسبة إليّ، جعلني أكثر استمتاعا بالتواجد وسط أناس يحبون القراءة- وخاصة أنني أخفي هذا السر عن كثيرين - فقط يعرف أصدقائي الذين يشاركونني هذه المتعة الرحبة، إلى جانب أن الموقع محمل بكثير من الكتب الجيدة والهامة.

وفي نهاية كل عام وعملا بنصيحة (كارول أوتس) أتخلص من الكتب التي لم ترق لي، كي أتخفف من عبئها وأفسحَ مكانا للكتب الجيدة سواء الموجودة أو التي لم أشترها بعد !، أعطيها لعمّ (مصطفى) بائع الكتب القديمة، وأعيد ترتيب وتنظيم المكتبة في نهاية كل عام.

بعد حين يكتسب القاريء ذائقة تجعله يعرف ما يريد ويترك ما لا يريد، هذا التحديد الناتج عن الخبرة أهم سمات القاريء الجيد، ولا أرى غضاضة في عدم إتمام كتاب سيء أو ممل، فليس في العمر متسع، وهناك الكثير من الكتب الجيدة التي لابدّ من قراءتها، والمتعة الخالصة هي الهدف الأهمّ.

دخول عالم ما – سواء إن كان شعريا أو سرديا - صعب في البداية، وخاصةً أننا مدفوعون إلى التماهي مع الكاتب كي نقترب إلى أقصى قدر ممكن من وجهة نظره، وعلى التكيّف مع لغته ومفرداته التي غالبا ما تكون مختلفة عن غيره.

أستطيع أن أقول أنني متيّم بالروائي والفيلسوف اليوناني العظيم (نيكوس كازانتزاكيس)، لقد وصلتْ صرخته إلى قلبي وارتجفتُ، دعى لتمجيد الإنسان، أراده أن يتحرر من الخوف والاشتهاء، أراده أن يسيطر على الوحش الكامن في أعماقه، وكلما قرأت له، انغرستْ صرخته في قلبي أكثر.
غيّر نظرتي للعالم إلى الأبد بعدما قرأت سيرته الذاتية (تقرير إلى جريكو) ولكم أن تتعرفوا من خلاله على زئير هذه الروح العظيمة.

( نجيب محفوظ ) الروائي الأهم، والقدوة المهمة كذلك، من أراد أن يعرف كيف يتم إنجاز المشاريع الأدبية الكبرى فليتعلم منه، (الحرافيش) تأتي في المقدمة، وتحديدا فصل ( جلال صاحب الجلالة ).
شخصياته الروائية، لا يمكن انتزاعها من سياقها، صحيح أنها تبدو كشخصيات عادية نراها في الشارع وعلى المقهى، لكن لو انتُزعتْ من سياقها، تصبح غير مفهومة، فشخصياته تكتمل بعلاقتها مع العالم من حولها، وبعلاقتها مع الشخصيات الأخرى، مثل قطعة Pazzel، لو خرجت من مربع اللعبة الكبيرة لبدت غريبة، هذه القدرة على خلق عالم معقد متماسك سر عبقريته، ولا أعرف إن كان ( محفوظ ) فعل هذا عن عمد أم لا.

( محمود درويش ) الشاعر العربي الأشهر في العصر الحديث، ظلّ مخلصا لفكرة الكتابة أكثر من أي شيء آخر، يتتبع حدسه، له ديوان بعنوان (محاولة رقم 7 ) معنى أن يختار هذا العنوان، فهو يعرف أنه مازال يحاول حتى بعد الديوان السابع.
قمة نضجه الشعري تحققت في ديوانه الأخير المنشور قبل موته (كزهر اللوز أو أبعد) بداية من ( الجدارية ) فما بعدها، تلك السنوات العشر الأخصب والأنضج في تجربته، يقول عن نفسه أنه ربما لو سار أسرع لتشظى وانتهى، تلك البصيرة بالذات والتجربة، ما جعلته ينضج على مهل.

( المخزنجي ) و( ابراهيم أصلان ) أعتبرهما من مدرسة واحدة رغم أنهما ليسا من جيل واحد، ذات الروح، وان اختلفت عناصر التجربة ومفرداتها، أقف مصغيا أتعلم أمام (فساد الأمكنة)، قصائد (أبي نواس) و(بشار بن برد)، وغريب (ألبير كامو)، تأملات ( ماركوس أوريليوس )، (شوبنهاور) ورؤيته المختلفة للعالم أضافت إليّ الكثير، فهو - رغم تشاؤمه – كان يرى أبعد وأعمق، خرج من أسر التنظير الأكاديمي الضيق، إلى براح الحياة العادية البسيطة، وليس غريبا أن يكون من أكثر الفلاسفة تأثيرا في الأدباء والشعراء، (سأكون بين اللوز) و(الضوء الأزرق) لحسين البرغوثي الراحل سريعا، ( وديع سعادة )، ( رأيت رام الله ) لمريد، ( عماد أبو صالح ) وكثيرين.


كل هؤلاء لا يمرون سريعا، لكل منهم ذكرى في النفس وفي الروح أثرا، نعيش معهم وبهم تجربة القراءة، تلك التجربة التي تغني الحواس كلها؛ وفي النهاية لا أملك إلا أن أقول مرة ثانية أن المتعة هي الهدف الأهم من هذه التجربة، وستظل القراءة الوسيلة الوحيدة لإشباع رغباتنا في الحلم، وفي أن نعيش أكثر من حياة بشغف لا ينطفيء أبدا.