الجمعة، 29 مارس، 2013

رجوع الشيخ .. سرد يختلف


بذكاء شديد يتكأ (محمد عبد النبي) على عنوان الكتاب التراثي (رجوع الشيخ إلى صباه في القوة على الباه) ويقدم لنا رواية جيدة للغاية ، يجرب بجرأة ، يكسر حاجز الإيهام أو ما يسميه المسرحيون (كسر الحاجز الرابع) ويفضل أن يسميه النقاد الحداثيّون (الميتاسرد) أو السرد الموازي .

بعيدا عن تقعر المصطلحات ، يحكي (محمد عبد النبي) حكاية (أحمد رجائي) العجوز الذي يقرر أن يكتب مذكراته ، قصة حياته الكاملة ، خوفه من أبيه المتسلط ، علاقته بالكتب ، ذكرياته في شارع منية السيرج بشبرا ، زواجه من بنت عمه بعد ما حدث بينهما في بيتها ، شغله في مكتب الترجمة ، سهراته ، نزواته ، سوف يكتب كل شيء دون تحفظ ، ويشعر أنه سيموت بعد الانتهاء من كتابة الرواية.

وعلى خط مواز ، يقابل سميّه (أحمد رجائي) الشاب ، يحمل ذات الإسم ويعمل تحت إمرته في مكتب الترجمة ، يحسده رجائي العجوز على أشياء كثيرة ، بل ويكرهه ، كأنه يرى فيه تجسد شبابه الماضي ، أو كأنه أراد أن يعيش الحياة على طريقته ، ومن خلال لعبة سردية جيدة ، يسيران بالتوازي طوال الرواية .

يلعب (عبد النبي) لعبة كسر حاجز الإيهام ببراعة ، رجائي العجوز يشتري دفترين وأقلاما من أجل كتابة الرواية ، يحدث نفسه ، يتذكر ؛ مثلا: يفكر في انطباعات ولا يكتبها ، يكتب أحلامه الجنسية و يحدث نفسه – كأن القاريء لا يسمع ما يدور داخله – ويقول أنها أحلام لم تحدث في الواقع قط ويعزوها إلى كبته الجنسي ويسخر من ذاته . طيلة الرواية يتداخل الراوي والبطل ، يتداخل النص الروائي وتفاصيل كتابة الرواية في نسيج رائع .

لغة الرواية سلسة بسيطة وعميقة محكمة في آن ، قد يستغرب القاريء أحيانا من انحرافات – محسوبة - في المستوى اللغوي أثناء القراءة ، تنبيء أنها لم تأتِ اعتباطا بل بناءً على خطة محكمة ، وإعادة صياغة أكثر من مرة . أحيانا نقرأ تعبيرات عاميّة (يا سلاااااااااااااام) وأحيانا نجد اللغة محكمة تماما ، استخدم (عبد النبي) المستوى العامي الدارج حين يحدث (رجائي العجوز) نفسه ، واللغة المحكمة للنسيج الروائي وهو الشيء الذي أتى منطقيا تماما.

وهكذا نراهما يسيران بالتوازي ، لكل منهما حياته الخاصة ، علاقاته وذكرياته ، شخصيتان مختلفتان ، يجمعهما الإسم ، ويتشابك مصيرهما . وفي النهاية أقول أن الرواية محاولة جيدة جدا وجديدة على السرد العربي – على قدر علمي – أجاد فيها عبد النبي وأظنه سيقدم روايات جيدة مع مرور الوقت طالما أنه يجتهد ويحاول كما هو واضح هنا .

الأحد، 17 مارس، 2013

وجوه سكندرية .. سيرة مدينة


عرفت بصدور الكتاب وظللت أبحث عنه طيلة إسبوعين ولم أجده ، بائعو الجرائد هنا دائما يصلهم كل شيء متأخرا ، سرتُ وصديقي ليلا نتحدث في كل شأن ، ثم كان حديثنا المفضل عن الكتب ، قال إنه اشترى الكتاب ولم يقرأه ، قلت أريده حالا ، قال سآتيك به في لقاءنا التالي بعد إسبوعين ، تضايقت ، فإذا بي ونحن سائران أجده عند بائع الجرائد جوار البيت ، قرأته على الفور وانتهيت منه في بضع ساعات .

هذا كتاب يرتّق فراغات الذاكرة ، يحفظ المشاهد والناس والأيام ، بعد انتهاء القراءة سنعرف أن علاء خالد وضعنا في مأزق ، فلن نستطيع أن نفلت من إساره كلما زرنا المدينة . الشاعر المشّاء ، العارف بالدروب والناس ، يكتب عن المدينة الملهمة أصلا بشاعرية دافئة وحميمية ، هذا الكتاب سيظل مرشدا في شوارع الإسكندرية لكل من قرأه لفترات طويلة . يضم الكتاب العديد من الصور الفوتوغرافية شديدة الجمال ، وإن كان عيبها الوحيد أنها بالأبيض والأسود فضاع كثير من جمالها .

لم يتعامل مع المدينة بشكل تقليدي ، وضع ذاكرته نقية بين أيدينا ، الحضور الأقوى للبشر والأماكن ، والبحر يغلف كل هذا برائحة اليود وطعم الملح . جمال الدولي يكتب على الحائط " أنا بحب ليلى علوي " ، وكلما طُلي الجدارعاد يكتب من جديد ، عباراته كأنها احتجاج على شيء ما ، يكتب متخفيا بالليل ويهرب ، لم يرَ أحد جمال الدولي ولا يعرفه أحد ، وظلت سيرته متناثرة تتناقلها الألسن .

المغني الهندي يسير جوار الترام البطيء يقدم عرضه ، يسير بالدراجة ، يد تمسك المقود ، ويد تحمل الكاسيت الكبير ، يوازن نفسه ويغني ، تعابير وجهه تشي بنشوة كاملة ، العرق يتفصد من جسده جراء المجهود ، ويظل يغني ولا يبالي بأعين الساخرين ، عايدة بائعة الورد ، تظهر في كل مكان ومن لا مكان ، وغالبا ما تظهر في المقاهي حاضرة البحر ، كبريائها يشي أنها كانت تعيش حياة مستورة ، يجبرك كبريائها أن تشتريَ منها وردة ، عايدة لم تعد تظهر منذ أعوام وقال البعض انها ماتت .

في مقهى الحاج صالح وأولاده تختفي الحواجز تماما ، أولاد الحاج صالح ، محمد وعبده وأختهما الكبرى عايدة أو عيدة، يعيشون حياتهم كاملة في المقهى وسط الجالسين ، يأكلون ويشربون وينامون ويتشاجرون ، كل شيء يتم بأريحية تامة ، كأن الجالسين من أهل الدار ، عبده الفتوة ، محمد الذي يجمع عشاق الاتحاد السكندري في المقهى كل أسبوع ، وعيدة الضخمة السمراء ، العانس طيبة القلب ، وإن أظهرت غير هذا .

عم عربي الشحاذ الذي أراد أن يفر من أسر الحياة فيه مس من جنون وشذوذ ، هؤلاء المدينة دونهم ناقصة ، وصف علاء خالد يجعلك تتمنى أن تراهم إذا ذهبت إلى الإسكندرية .
بطبيعة الحال ، لا يمكنك أن تتحدث عن الإسكندرية ولا تتحدث عن البحر ، كل شيء يرد إليه ، هو أصل المادة الخام التي منها خلقت المدينة وله فيها كل شيء ، يصلح لكافة الأغراض ، تكلمه وتبث إليه همومك وسوف يتقبلك دون أي اعتراض ، يمنحك ما تريد عندما تجلس مع الحبيبة ، يوفر لك ما تشاء عندما تسير مع الأصدقاء ، تستلهم منه الرحابة إن كنت ضيق الصدر .

وأينما وليت وجهك ناحية المدينة ستكون المقاهي المطلة عليه ، التجارية والوطنية والكريستال ، وللأخيرة الحضور الأهم ، حيث كانت في التسعينيات – وحتى الآن على ما أظن – الراعي الرسمي لنقاشات مثقفي وكتاب الإسكندرية ، مقاهي الإسكندرية بشكل عام تختلف عن المقاهي في أي مدينة أخرى ، فلن يكون مستنكرا أبدا أن تجد عائلة كاملة تجلس على المقهى ، فالمدينة تتحول إلى مصيف طيلة 3 شهور كاملة .

بار الشيخ علي وبار الوطنية – تحولت إلى مقهى الآن - وبار سبيد فاير ، كلها في مربع واحد تقريبا ، ورويدا رويدا ، حاصرها المد الديني بعد أن كانت أماكن عادية مثلها مثل المقاهى ، صار الداخل والخارج محل استنكار من العابرين وأصحاب المحلات المحيطين ، فيما سبق كانت توفر مكانا ممتازا للنقاشات الفكرية والثقافية المحتدمة . والبارات بشكل عام عالم غريب ، لن تستطيع أن تسبر غوره في جلسة واحدة ، سوف ترى كل الأطياف ، سوف يحكي لك الغرباء حكاياتهم سواء بشكل مباشر أو إذا سمعتها عرضا ، سوف تجد الباكين والضاحكين ، ولكن للأسف اختفت زهوة البارات في الاسكندرية في منتصف التسعينيات .

يتحدث الغرباء عن الشيء الرائق في الإسكندرية ، هذا الروقان الذي انعكس على تصرفات أهل المدينة – وخاصة في السيتينيات - الإسكندرية المدينة الكوزموبوليتانية ، مأساتها أنها تجمع الأشتات وتفرقها في وقت واحد ، هل تطوّق البحر أم يطوّقها ؟ ، البعد عن القاهرة جعل علاء خالد قلقا ، فالمركز مليء بالأحداث والأشياء ، يخشي أن يفوته شيء ، جعل الإسكندرية مركزه ، يستغني بها عن صخب القاهرة وإزعاجها ، ويعود إليها بعد كل رحلة ليستريح ، مثلما يفعل العاشق أو المحارب أو المهزوم سياسيا .

الجمعة، 15 مارس، 2013

براجولين وفراجونار في بيت أم السعيد


أمس قرأت بنهم شديد أفتقده منذ زمن هذه المدونة شديدة الجمال ، لعلكم تدخلون وتنهلون مِن ما يقدمه بروميثيوس الراقي ، وكذلك في مدونته الأخرى Random Thoughts  . وقد أوحى لي بهذه التدوينة .

أثناء قراءتي للمدونة شاهدت لوحتين كانتا منتشرتين في صالونات البيوت المصرية في الفترة من نهايات الثمانينيات وحتى أواسط التسعينيات ، والغريب أن كثيرا من هذه اللوحات يخلو من أي جمال ، ولكن على كل حال من وضعوها في صالوناتهم لم يكونوا مهتمين بالفن التشكيلي ولا يحزنون ، فقط هي من قبيل التشبه بالأرستقراطيين ، وحتى يكتمل النشاز البصري ومعزوفة الركاكة ، الصالون المذهّب كثير التعريجات والأويمة ، والسجّاد الأحمر الفاقع ، والنجف الكبير المذهّب كذلك وأخيرا تلك اللوحات المقلدة .


صورة الولد الباكي – أظن أن كثيرين منكم يعرفونها جيدا – تلك اللوحة التي نغصتْ عليّ زياراتي لخالاتي منذ 15 عاما أو يزيد ، كانت الصورة تلقي في قلبي كآبة ، وزاد الطين بلة حين قالوا أن الولد يشبهني ! ، خالتي الأولى  سيئة الطِباع ، وضعتها على الجدار جوار الباب في إطار خشبي أبيض . وخالتي الأخرى ، كانت اللوحة أسوء ما في شقتها ، لم تكن نسخة مرسومة بل كانت بالكانافاه داخل إطار ذهبي مقشر من فعل الزمن . ولا أعرف حتى الآن لماذا يضع أحد في بيته صورة طفل يبكي . واللوحة لفنان إيطالي إسمه (جيوفاني براجولين) ، وبعيدا عن ذكرياتي السيئة فانا لا أرى في الصورة أي جمال من أي نوع .


لوحة الأرجوحة للفرنسي (جان أونوريه فراجونار) ، كانت عند أحد أصدقاء أبي ، واللوحة أفضل من سابقتها فنيا ، وإن كانت ترمي كآبة في صدري كذلك – وهو الشيء المشترك الوحيد بين اللوحتين – ربما بسبب تماثيل الأطفال الصغار ، ظننت أن اللوحة سوف تمتصني داخلها وأنني سوف أتحول إلى طفل حجري مثل الموجود أمام السيدة بطلة اللوحة – وهو تمثال ملاك أصلا – أو الطفلين الموجودين خلفها على الأرض .
الغريب أن الصالونات التي كانت تحوي هذه اللوحات كانت محملة بروح ثقيلة ، هواءها ثقيل ، مظلمة في الغالب ، حتى النور النيون أو الأصفر ذاته ثقيل ، ولا يستطيع أن يبدد جهامة وثقل جو الغرفة .

اللوحة الثالثة
لم أجدها عندما بحثت على جوجل ، تلك اللوحة الرائعة التي تصور الراعي الطفل جالسا تحت شجرة يعزف الناي وعلى يمين الصورة الأغنام ترعى ، تلك الصورة كانت تمثل الصفاء النفسي في أجمل صوره ، ربما توحدت مع صورة الراعي الطفل – كنت في مثل سنه تقريبا وقتها- ، ولكم تمنيت أن أكون مثله ، وأن يغشاني ذلك الصفاء الذي يغشاه .

هناك لوحات أخرى بحثت عنها ولم أجدها ، لوحات لمناظر طبيعية عادية ، واللوحة الشهيرة لسلة الفواكه وبجوارها زجاجة خمر ، وأخرى – وهي أفضل نسبيا – لوحة لمنظر طبيعي ، في جانبها الأيمن فتاة تتأرجح وأمامها مجموعة من الشباب ، وهي تنتمي لعصر الباروك على ما أظن نظرا لملابسهم .

والآن وقد مرت سنين عديدة وتعرفت على عالم الفن التشكيلي بعمق أكبر ، وصرت أعرف ما يناسبني ، مثلا أفضل السيريالي الروسي فلاديمير كوش أكثر من أستاذه سلفادور دالي ، يعجبني خياله وتكثيفه ورموزه ، وكذلك جويا وقد كتبت عنه من قبل في هذه المدونة ، والإيراني إيمان مالكي وأستاذه مرتضى كاتوزيان ، وأتعجب كيف يمتلكان هذه المقدرة الفائقة على رسم التفاصيل بكل هذه الدقة  ، وربما أفُرِدُ لهم بوستات كي أتحدث عنهم هنا في مساحة أكبر .