الأربعاء، 12 ديسمبر، 2012

خرافة الثعبان الأقرع بين هذيان الشيوخ وسذاجة المستمعين


قبل أن تبدأ:
المقال يزيد عن ألف كلمة، فلو كنت من سريعي الملل فلا ترهق نفسك.

مازالت كتب عذاب القبر، وعلامات يوم القيامة، ونهاية العالم واسعة الانتشار، وذلك بفضل سذاجة العامّة وجهلهم، وبسبب طمع شيوخ الدعوة، ورغبتهم في توسيع نفوذهم.
كل مسلم متأكد تمامًا أن ما جاء في القرآن والسنة الصحيحة حق. لكن الأزمة تكمن في فهم النص المقدس، وفي كيفية العرض والتناول.
كثير من الدعاة يخلطون الأحاديث الضعيفة أو الموضوعة أو المشكوك في صحتها إسنادا ومتنا بالأحاديث الصحيحة.
يضيفون الأحاديث المليئة بالويلات والوعيد لإرهاب المستمعين -السُذج– الذين لن يستطيعوا أن يتأكدوا من صحة ما يقوله الدعاة. هؤلاء المشاهدون يتقربون إلى الله بمشاهدة القنوات الدينية.

بل وحتى الأحاديث الصحيحة يتم تأويلها بشكل منحرف. محمد حسين يعقوب في إحدى تسجيلاته القديمة روى حديث "اعْدُدْ سِتًّا بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَة" المشهور الذي رواه (البخاري) و(ابن ماجة) وفسّر قول رسول الله " ثُمَّ فِتْنَةٌ لَا يَبْقَى بَيْتٌ مِنْ الْعَرَبِ إِلَّا دَخَلَتْهُ" وقال إن المقصود هو التلفزيون أو المفسديون على حد تعبيره السخيف وقتها.
وأيضا حديث "لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه" فسره بعض المفسرين العباقرة بأن المقصود هو أسامة بن لادن. وقالوا إن أصله يعود إلى قحطان!.
وفي حادثة ذات دلالة، اتصل سائل بأحد الشيوخ على قناة فضائية، وقال:
"من الظواهر التي انتشرت في وقتنا الحاضر الهواتف الخلوية. ومن الملاحظ أن كثيرًا من الناس يقومون بإدخال رنات موسيقية لبعض أغاني المطربين والمطربات مثل عبد الحليم أو أم كلثوم أو غيرهم للهاتف الخلوي. والسؤال هو: هل تلك الظاهرة من علامات الساعة الصغرى أم الكبرى ؟!
والسؤال الثاني الأهم: سمعت أحد الأشخاص يروي حديثا للرسول عليه الصلاة والسلام قائلا: قال صلى الله عليه وسلم : سيأتي زمان على أمتي يحدث فيه الرجل أهله بشراك كشراك نعله. فهل كان النبيُّ يقصد الموبايل؟.
فما كان من فضيلة الشيخ أن عدّد علامات يوم القيامة الصغرى والكبرى، ولم يحاول أن يقوّم الاعوجاج في سؤال المتصل العبقري.
ولهذا الاتصال دلالتان:
الأولى: أن المتصل العبقري شخص ]فاضي[ بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ.
والثانية: أن مولانا المُفتي قد وافقه ضمنيا – لأنه لم يرد على السؤال بشكل صريح- وأيضا لم يبذل أي مجهود في البحث عن رد مناسب، قال ما يحفظه مباشرة دون تفكير.
وفيما يلي سوف أتكلم عن نقطتين في غاية الأهمية، الأولى (أشراط الساعة وعلامات يوم القيامة) والثانية (عذاب القبر وأهواله) بغرض الإيضاح، وإزالة اللبس.
أحاديث أشراط الساعة واضحة صريحة في لفظها غالبا، مثل طاعون عمواس في فلسطين، وبعثة النبي ووفاته، وفتح بيت المقدس، وظهور مدعي النبوة.
والحديث عن انتشار الفتن، واعتبارها من أشراط الساعة هو من السذاجة. فطالما نحن على الأرض، فنحن نجابه الفتن منذ بدء الخليقة. وحتى من قبل أن ينزل آدم إلى الأرض، فقد واجه فتنة إبليس، وأكل من الشجرة المُحرمة.
أما عن التخويف من عذاب القبر وأهوال يوم القيامة، فأفاعيل الشيوخ تتعدى حدود المسموح والمعقول. تتحول الخطب إلى عروض مسرحية تراجيدية، مليئة بالصراخ والتهديد والبكاء.
 ولعل البعض يذكرون الكلام المكذوب الباطل عن خرافة (الثعبان الأقرع) الذي يضم الميت تارك الصلاة حتى تتكسر عظامه.
ضمة القبر وحساب الملكين ثابتان وراجحان عند أهل العلم وفي الأحاديث الصحيحة في البخاري ومسلم، وكذلك حديث الإسراء والعروج الطويل الذي تضمنّ ذِكر عذاب بعض العصاة، أما عن الثعبان (شجاع الأقرع) هذا فكلها أحاديث موضوعة. وتأملوا معي الحديث التالي:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من آتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته مثل له ماله يوم القيامة شجاعاً أقرع له زبيبان يطوقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه – يعني شدقيه- ثم يقول: أنا مالك أنا كنزك ثم تلا "ولايحسبن الذين يبخلون .... "
واضح من الحديث أن تلك عقوبة البخيل الشحيح الذي لا يؤدي فريضة الزكاة وليست عقوبة تارك الصلاة.
وفي النهاية، ألخص ما أريد قوله في بعض نقاط:
الاستفاضة في الحديث عن عذاب القبر وأهوال يوم القيامة هدفها التخويف والإرهاب فقط لا غير. فعندما يتعاظم الشعور بالذنب، يفرّ العامة إلى أحضان الشيوخ خائفين، بدلا من أن يفرّوا إلى الله تائبين.
 نؤمن بالجنة والنار لأن أدلة وجودهما منطقية وراسخة صحيحة. وأتى ذكرها مفصلا واضحا في القرآن والسنة. أما عذاب القبر ونعيمه وعلامات يوم القيامة فالأحاديث الموضوعة في هذا الباب كثيرة والكلام عنها مشوش غامض.
 لابد أن يكون الجزاء من جنس العمل. وكثير من أصناف العذاب الواردة في ادعاءات مشايخ السلفية بالذات لا تتناسب مع الذنوب إطلاقًا، لا كمًا ولا كيفًا.
وهناك قاعدة مفادها "أن لو كان الثواب المذكور في الحديث مبالغا فيه بشكل ملحوظ وأكبر من الطاعة فالحديث فيه شك" ونفس القاعدة تنطبق على العقاب كذلك.
في العصور الوسطى في أوروبا امتلك رجال الدين سلطات هائلة. كانوا يرعون الحاجات الدينية، ويقيمون الشعائر، وينظمون العبادات ويوجهون الناس. كان لهم نفوذ سياسي رهيب وكوّنوا ثروات طائلة، حيث تحالفوا مع الإقطاعيين والتجار من أجل أغراضهم الخاصة.
والسؤال: كيف بسط رجال الدين في أوروبا في العصور الوسطى نفوذهم بهذا التوسع على العامة؟
في عصور الظلام والانحلال يزداد تعلق الناس بالدين، ويصبح هو باب الخلاص الوحيد ولا نجاة بدونه، وخاصة في مجتمع مزقته الحروب الطاحنة داخليا وخارجيا، وحصدت الأوبئة والمجاعات أرواح الملايين. فالناس يصبحون كالأغنام، يُساقون إلى ما لا يعرفون ولا يتكبدون عناء السؤال عن وجهتهم.
ويتعلق تفكيرهم بالغيبيات وأمور ما بعد الموت وحياة البرزخ، وكل ما له صلة بالعالم الآخر. يذكّرون أنفسهم بأنواع النعيم في الآخرة، كنوع من الهرب من الواقع المرير، وكمحاولة لتعزية النفس عما يحيق بها ( الحور العين كمثال ).
وهكذا الحال عندنا الآن. ومن يقرأ تاريخ العصور الوسطى في أوروبا يجد أوجه الشبه كثيرة مع عدة فوارق أهمها أن رجال الدين المسلمين صاروا هم التجار سواء بالدين أو بغيره.
  الناس يبغون مرضاة الله فيتعلقون بشكل العبادة لا بجوهرها. الصلاة مجرد حركات آلية. الصيام خشن، جاف مليء بالسباب والغضب. يشاهدون برامج الرقائق ولا يعرفون أسس العقيدة. ولتكن الاتصالات والرسائل هي القرابين، يقدمونها تحت أقدام الشيوخ – كما في الديانات الوثنية – ليغفر لهم الله ويفتح لهم أبواب البركات.
   الحيلة الهامة هي إقناع العامّة بنظرية المؤامرة التي يدبرها الغرب الكافر والشرق الوثني للإطاحة بالمسلمين. وكأنّ المسلمين قوة يخشاها غير المسلمين. يصور تجار الدعوة أخطارًا لا رادّ لها. وبالتالي يرتمي الناس في أحضانهم. فهم العارفون، الواقفون على ثغور الدين والدنيا.
ولو تأملنا ادعاءاتهم لوجدناها أشبه بكلام المنجمين والعرافين في الحضارات الوثنية، لما فسروا ظواهر طبيعية عادية لم تكن مفهومة وقتها. فالأعاصير من غضبة زيوس العاتية، والزلازل من حنق هيدرا على البشر، وهكذا.
تلك النزعة الأسطورية في تفسير الظواهر الطبيعية، ملمح مهم في تفكير الإنسان البدائي. ونجده واضحا في كل أساطير الحضارات القديمة، يجمح خيال الإنسان في محاولة لفهم العالم، فيصوغ تفاسير بدائية لتخفيف حدة حيرته وشكوكه.
فعلى أقل تقدير -لو فرضنا حسن النيّة- لقلنا أن شيوخ السلفية مازالوا بدائيين في طريقة تفكيرهم. أضف إلى ذلك أنهم لا يتحرون الدقة فيما يقدمون. فماذا يكون التضليل غير هذا؟.

وحتى الآن لم يقدم الشيوخ الأفاضل أي فكرة أصيلة جديدة. يتكئون على كتب ابن تيمية وابن القيّم التراثية القديمة. ينقلون ما فيها من قضايا ومسائل وفتاوى بشكل حرفي، وقد انتهت أغلبها بانتهاء العصر. يفتقرون إلى المنطق الرصين الجاد وإلى الرؤية الواضحة المتزنة، وأخيرًا لا يملكون مشروعا واضحا لإقامة أمة إسلامية قوية.
يستخدمون الصراخ والحكايات الخيالية، والأحاديث الضعيفة للإرهاب والتخويف ليجتمع الناس حولهم ويرتمون في أحضانهم. ربما لخدمة أغراض طائفة معينة، أو لتحقيق أهواءهم.
شيوخ الحركة السلفية يريدون أتباعًا صامتين، لا مسلمين فاعلين. وما الذي يستفيده المسلم من تتبع علامات الساعة وتلمسها في كل حادثة ؟ وماذا سيفيده التخويف من عذاب القبر؟
فنحن نعبد الله بالخوف والرجاء، لا بالخوف وحده. نعبده لأنه الواحد الأحد، نور السموات والأرض، هو القاهر ونحن عباده الضعفاء. لم نأتِ للدنيا كي نخاف. فلله حكمة من خلقنا أجلّ وأكبر.


هناك 9 تعليقات:

  1. عندما استرجع ذكرياتي الدينية في الشرق الأوسط، أجد أن للتخويف من عذاب القبر نصيب كبير من المحاضرات الدينية، وان الحال لم يختلف كثيرا اليوم بين صديقاتي المسلمات في الغرب. كلما أرادوا استدعاء محاضر لالقاء محاضرة دينية، تكون اكثر المواضيع اثارة لهم هي مواضيع اهوال القبر والقيامة والجن.. وكأنهم يتوقون الى مشاهدة فلم مرعب يثيرهم.. ولولا الجمهور لما كان هناك الطلب..

    ولكنني وجدت ان هذه المحاضرات أكثرها تأثيرا على التدين من غيرها.. لا أحد يقلل من قيمة الخوف وصناعته (والتي تستخدمها حتى الحكومة الأمريكية في تخويف شعبها من البعبع الكبير (روسيا في الماضي والاسلاميين الان)

    كما تذكرت مقولة في كتاب Myth,Dreams and Religions تتحدث عن مشاهد تصوير العذاب في الانجيل (أو المسيحية) وانه طالما كانت صور العذاب أكثر اثارة وتحميسا من تلك التي تصور الجنة.. هناك عامل مشترك بين الديانتين فيم يتعبق بهذه النقطة اذا..

    ملاحظو: اعجبتني عبارتك التشجيعية على التعليق.. ودفعتني لأعصر مخي لآتي بتعليق ما.. :)

    ردحذف
  2. اسمح لي ان اقول
    ارى تحاملا على رجال الدين ورغم محاولة الظهور كباحث محايد الى ان اسلوب الطعن واضح
    ولانك اخذت جانب ضئيل من فوائد التخويف وهو يسمة اسلاميا الترهيب ولم تسلط الضوء على الترهيب بشكل كامل كباحث يسعى للحقيقة وتوضيح الامر
    فالشريهة الاسلامية جائت بالترغيب والترهيب
    ولايخفى على الممتعمق الواعي ان الترغيب وحده لا يكفي بدوت ترهيب لكي يغلم الناس مضار عدم انصياعهم لاوامر الله سبحانه وتعالى وورغم النضرة الضيقة جدا والمحاولة المستميتة لايجاد تشابه مع الطروحات البشرية والالهية والايحاء هنا بالتشابه بين ما هو من صنع البشر وما هو امر الاهي اوفعك في كثير من المغالطات
    فالاسلام رغب اولا ثم ارهب من لم ينصاع لتنفيذ اوامرة وهذا احد وجوه العدالة الالهية حتى تكون على بينة لما ستلقاه ان انت لم تطيع الله عز وجل فلا يبقى لك عذر
    اتمنى ان لا يزعجك توضيحي البسيط وحس فهمي المتواضع

    ردحذف
  3. مجيد

    لم أزعم أنني محايد قط ، وأرى أن الحياد مجرد كلمة نقولها على سبيل الاحتراس الموضوعي لا أكثر ، لابد أن يكون الشخص منحازا لفكرة ما ضد فكرة أخرى ، إذن لا وجود للحياد أصلا .

    لست متحاملا على رجال الدين بشكل عام ، فقط هناك ثلة يجب أن تسكت نهائيا ، وأرى أنهم لم يزدهروا إلا في ظل أمية متفشية وجهل بكل شيء حتى بأبسط امور الدين ، لذلك كان من الطبيعي جدا أن يبثوا كل ما يريدون في قلوب الناس ويسيرونهم كما يشاءون .

    لم أسع إلى إيجاد تشابه بين الأطروحات البشرية والأوامر الإلهية ، أنا أقول أن طريقة تفكير الشيوخ وكلامهم أشبه بطريقة الكهان والعرافين في الحضارات القديمة ، وهو كلام من لدنهم وليس كلاما إلهيا .

    نحن نعبد الله كطائر له جناحان الخوف والرجاء ، هذا ثابت وواضح ومعروف ، ولكن ليس الخوف هو الغاية الكبرى ، إلى جانب أن بعضهم يخترع قصصا وحكايات لتخويف المستمعين أو المشاهدين ، كثيرة هي الحكايات عن سوء الخاتمة ولو أمعنت فيها النظر لوجدتها غير مترابطة وكلها تتبنى نفس الأحداث تقريبا ولكن الأماكن تختلف !

    أرجو أن أكون قد وفيت ، وأنا سعيد حقا بتواجدك هنا

    ردحذف
  4. تحدثت بما في جوفي، شكرا جزيلا لك

    ردحذف
  5. أزال أحد مشرفي المدونة هذا التعليق.

    ردحذف
  6. أزال أحد مشرفي المدونة هذا التعليق.

    ردحذف
  7. أزال أحد مشرفي المدونة هذا التعليق.

    ردحذف
  8. أزال أحد مشرفي المدونة هذا التعليق.

    ردحذف

لا تجلسْ على العتباتِ
كالشحَّاذِ أو جابي
الضرائبِ
لا تكنْ شُرطيَّ سَيْرٍ في الشوارع
كن قويّاً ، ناصعَ الفولاذ ، واخلَعْ عنك أَقنعةَ
الثعالبِ
كُنْ فروسياً ، بهياً ، كاملَ الضرباتِ . قُلْ
ماشئْت .