الأحد، 9 ديسمبر، 2012

ما أحبُّ من دنياكم


العزلة
كلُّ الأماكنِ تضيقُ بي وأضيقُ بها ، بعد حينٍ طويلٍ أعتادُ الأشياءَ والعابرينَ ، تعبتُ من الشوارعِ ، الإسفلتُ جرّحَ روحي بما يكفي ، لأيامٍ كنتُ أدور بلا هدفٍ  ، حين أكونُ مع الآخرين - وخاصة إن لم أكن أعرفهم - لهو الجحيم .
أكرهُ عيونَ الناسِ وأخافُ ألسنتهم ، لا يسعني سوى غرفتي ، وحضنِ الرقيقةِ الذي أنتظره ، حديثُ السائقين والركاب مملٌ ، أنظر من النافذة ، أهرب إلى نفسي ، أكره الصخب والافتعال ،أكره طريقة كلامهم  . وحدي أذوق روعة اللغةِ حين أقرأ ، وحدي أهتدي إلى أراضٍ جديدةٍ لم يعرفها الآخرون ، يشرق حدسي أكثر كلما ابتعدتُ . شوارع المدينة من شرفة البيت أجمل وأرحب ، ماذا يريد ابن الإنسان حين يكون وحده ومعه كتبه والموسيقى وأي شيء يريد ؟ . ماذا يريد ابن الإنسان من التواصل مع آخرين ؟ . نفسي تكفني ، ومعي ما أريد وليكن ما يكون في العالم .
الموسيقى
بالصدفة تعلمت أن أنصتُ إلى الموسيقى لا أن أسمعها ، وكان فتحًا كبيرا ، لكلُّ ضربةٍ قوسٍ معنى ، في الظلامِ تختلطُ الموسيقى باللونِ ؛ الكمانُ بنفسجيٌ ، والتشيلّو بنيٌ ، الأُبوا أزرقٌ سماويٌ ، فقط لمن ينصتُ تهبّ الموسيقى سرّ الجمالِ وتفتحُ أبوابَ العرفانِ .
كلٌ له مذاقه ، موزارت عفوي ، تتنزل عليه الموسيقى من السماوات العُلى ، كلهم يوحى إليه ، كلهم أنبياء ، فقط كلٌ يبلّغ الرسالة بطريقته ، بيتهوفن الجميل القوي النافذ إلى جوهر الأشياء ، موسيقاه حرفيةٌ متقنةٌ نزّاعةٌ للكمال ، لم يكن عفويا كموتزارت لكنه يظل جميلا عصيّا على الموت والألم والنسيان . فيفالدي الغارق في الجمالِ المهووس به ، سريع التحولاتِ متقنها . الجمال متوغلٌ فيهم حتى النخاع . ليتني كنت مثلهم ، ليتني أفتح بابا واحدا حتى أرى ما رأوا .
القهوة
درويش تعامل مع القهوة بما لا ينبغي لها ، ليست حبيبة نتغزل فيها يا رفيق ، لا تأتي صباحا فقط ، بل صوتٌ يدوي في الروح ، ونور يشرق في الدمّ ، تأخذ شكل أرواحنا ، قوية صلبة لاذعة حين الغضب مع ثلاث سجائر حامية الدخان ، نافرة في الدم في سهرة الخميس حيث الليل منفتح على مصراعيه ، عميقة هادئة بعد الساعة الرابعة كل يوم .
تشحذ الحواس وتجلي الروح ، ويرقّ لرائحتها القلبُ ، أشربها دون إضافاتٍ ، بنيَةٌ لا محوجةٌ ولا فاتحةٌ ، رشفاتٌ قصيرة لها صوت حين أقرأ وحدي ، رشفات هادئة عميقة كالقبلات حين أكون على المقهى ، أطلب من عامل المقهى أن يكون البن ثقيلا ، هكذا يصبح الفنجان منضبط المقدار ، أطلب منه أن يصطبر عليها قليلا حتى تستويَ غليظة بنية كأجساد اللاتينيات . لا أشرب القهوة صباحا أبدا ، بعد الرابعة عصرا موعدنا ، وفي ليل الخميس الهاديء الطويل لكي أسهر كيفما أشاء .
الدخان
من يعبّون الدخان بشراهة حمقى ، خذ منه قليلا قليلا حتى تستشعر طعمه وتأثيره ، فليكن كل ساعتين .. فليكن ! ، لا تشربْ السيجارة وحدها أبدا ، القهوة مناسبة لي ، أحب السجائر الروثمانز ، لا أستخدم الكبريت الذي يفسد طعمها دون خجل . حين أقرأ ، أشعلها وآخذ نفسا عميقا واحدا ، ثم أتركها معلقة في المنفضة تبثّ عبقها النافذ القوي ، الشتاء يغلق أبواب الشرفات والشبابيك ، فأستمتع بالدخان كله وحدي ، الدخان الخام المختلط بهواء الغرفة ، الدخان الخارج من صدري ، غلالة بيضاء رقيقة ، تترك سمتها على كل شيء .
الدانهيل راقية رقيقة تنتهي بسرعة ، الإل إم حارقة جهولة ، الكليوباترا الأم الرؤوم التي مهما كان منها أظل أحبها ، وقفت معي وقت الشدة ، دربتني على احتمال دخانها الكثيف رويدا رويدا . تفاصيلنا حميمية جدا ، أسلطّ لهب القداحة عليها حتى يجفّ دخانها الرطب ، أفركها بين إصبعين برفق مخافة أن تتمزق البفرة ،  أشعلها آخذا نفسا عميقا أسحبه إلى صدري برفق.

هناك 6 تعليقات:

  1. القهوة هي نور يشرق في الدم و هي مس من الحزن النبيل..

    ردحذف
  2. ماذا يريد ابن الإنسان حين يكون وحده ومعه كتبه والموسيقى وأي شيء يريد ؟
    لا شيء فحتماً ما لديه يكفي و اكثر -ربما- ..

    و ايضاً ساحاول ان انصت إلى الموسيقى لربما وجدت ذلك الشي الخفي السلس ! . و اما القهوة ... فكلٌ منا لدية طقوسه العميقة و طقوسك عميقة جداً ولا ادري كيف واتتك فكرة اباحتها للعلن ، هنيئاً لنا لبوحك ..



    ردحذف
  3. أزال أحد مشرفي المدونة هذا التعليق.

    ردحذف
  4. أزال أحد مشرفي المدونة هذا التعليق.

    ردحذف

لا تجلسْ على العتباتِ
كالشحَّاذِ أو جابي
الضرائبِ
لا تكنْ شُرطيَّ سَيْرٍ في الشوارع
كن قويّاً ، ناصعَ الفولاذ ، واخلَعْ عنك أَقنعةَ
الثعالبِ
كُنْ فروسياً ، بهياً ، كاملَ الضرباتِ . قُلْ
ماشئْت .