الأحد، 25 نوفمبر، 2012

هكذا تحدّث ( فؤاد زكريا )


الجميع تقريبا ينفرون من الفلسفة - وأنا منهم - ، دوامة كبيرة من القضايا غير المهمة ، مثلا عن تفعيل الجانب الميتافيزيقي من الفلسفة الديكارتية ، أو عن المنهج المابعد حداثي بين الترنح والتأرجح ( تحديات وعواقب ) وأشياء أخرى من هذا القبيل ، ومصطلحات كبرى رنانة ، تهلك القاريء وتقضي عليه تماما .

قليلون فقط من استطاعوا أن يخرجوا من هذا الفراغ الفلسفي الهلامي ، بعيدا عن التنظير البارد الأجوف ، وانتبهوا إلى قضايا كبرى وحاولوا تطبيق أدوات البحث الفلسفي والتفكير المنهجي عليها ، ليجدوا مكامن الخلل ، وقد يتوصلون إلى حلول . منهم فؤاد زكريا

قليلون من يعرفون فؤاد زكريا ، وأقل منهم من قرأوا له ولو حتى كتابا واحدا حتى في الأوساط المثقفة ، اللهم إلا المهتمون بالفلسفة ومباحثها والأكاديميين ؛ بدأت علاقتي بالرجل عندما سمعت خبر وفاته في مارس 2010 ، لم يكن الإسم غريبا عليّ ، فتذكرت أنني قرأته مرارا على كتب سلسلة " عالم المعرفة " ، هو من وضع الفكرة وأسسها ، ومولتها الكويت.

المبدأ الأول الذي اعتنقه الرجل ودافع عنه طيلة حياته هو "العقلانية" ، أو بمعنى أدق " التفكير العقلاني " ، وفي كتابه الرائع " التفكير العلمي " الصادر عن سلسلة عالم المعرفة ، يشرح بأسلوب راقٍ ولغة بسيطة – كما اعتاد في أغلب كتبه إن لم يكن كلها – أن التفكير العلمي ليس حكرا على العلماء والفلاسفة فقط ، بل يجب أن يكون طريقة تفكير كل إنسان سوي ، ويقول أن السبب في كل المشكلات التي تواجه مجتمعاتنا هي البعد عن التفكير العلمي ، قد تبدو الجملة مطاطة أو متعالية قليلا ، ولكن تلك هي الحقيقة ، فالمجتمعات العربية الآن رفعتْ شأن المشعوذين والدجالين وشيوخ تفسير الأحلام .

" صحيح أن العقل مازال يجهل الكثير ومازال عاجزا عن تفسير الكثير ، الا إنه افضل اداه نملكها كي نعرف عالمنا و نسيطر علي مشاكلنا " من كتاب التفكير العلمي .

في رأيي تكمن أهميته أيضا أنه لم يخش المواجهة ، انتقد د. مصطفى محمود والشيخ متولي الشعرواي ، رغم أنهما يتمتعان بشعبية كبيرة ، لكنه لم يخش غضبة المحبين ، بل وكان طوال الوقت ضد الاعتقادات الشعبية وآمن أن كل ما تتمسك به جموع الشعب هو البخس الرديء .

" جموع الناس تبحث عادة عن الأسهل والمريح وتتجمع سويا حول الرأي الواحد مثلما تتلاصق أسراب الطيور لتحمي نفسها من الصقيع ، وكلما كان الرأي منتشرا ومألوفا كان في انتشاره نوعا ما من الحماية لصاحبه إذ يعلم أنه ليس الوحيد المؤمن به بل يشعر بدفء الجموع الكبيرة وهي تشاركه اياه ، ويطمئن حين يستظل تحت سقف الأغلبيه ، أما احساس المرء بأنه منفرد برأي جديد وبأنه يطأ أرضا لم تطأها قدم أخري من قبل يتعين عليه أن يخوض معركة مع الأغلبية كي يحمي فكرته الوليده فهذا الاحساس لايقدر عليه الا القليلون"

كان واضحا صريحا ، لم يقتصر دوره كما قلت سابقا على تدريسه للفلسفة ، وترجمة أهم كتب الحضارة الغربية ، له مواقف سياسية صلبة ، وخاص معارك كثيرة ، انتقد عبد الناصر بعد ثورة يوليو فوصفها بأنها انقلاب عسكري ، وبداية لحكم عسكري فردي مستبد ، قد يختلف البعض حول هذا الرأي ولكنهذا ما حدث فعلا .

هاجم السادات في قمة مجده بعد الحرب ، قال أنه لم يصنع الانتصار وحده ، والانتصار ملك للجيش كله ، وعارض تحالفاته السياسية بعد الحرب قبل كامب ديفيد ؛ قوّم تجربة حسنين هيكل – الشماشرجي الأكبر لكل الحكام – وبيّن تناقضاته في كتابه " كم عمر الغضب " ، ردا على كتاب هيكل " خريف الغضب " وأوضح أن نقده لفترة حكم السادات وعبد الناصر ليس إلا تصفية حسابات .

وكان من الطبيعي أن تحيد عنه جوائز الدولة التي تشبه النقوط في الأفراح البلدي ، لم يتلق تكريما يليق به ولكنه اكتسب احتراما واسعا ، وأظنه نال الرضا عن نفسه كما أراد .

في كتابه " خطاب إلي العقل العربي " قال : " لو تساءل المرء عن الصفة الأخلاقية التي يراد من الإنسان العربي أن يتحلي بها في جميع مراحل عمره، وفي جميع الميادين التي يتعامل معها خلال حياته الخاصة والعامة، لكانت هذه الصفة، علي الأرجح، هي الطاعة . فالأنظـمة الديكتاتوريـة في عالمنا العربـي لا تريد من المواطن إلا أن يكون ( مطيعا ) لأوامر الحاكم . ومجتمعاتنا تتبع النظام الأبوي ، ومن ثم يعتاد المواطن من صغره علي احترام مبدأ الطاعة، سواء في داخل العائلة، أو في المدرسة، أو في مواقع العمل، أو في أي مكان، وفي كل أمر من أمور حياته "

"علي أنك حين تطيع، لا تكون ذاتك، بل تمحو فرديتك، وتستسلم لغيرك. وأكاد أقول إن أعظم إنجازات الإنسان لم تتحقق إلا علي أيدي أولئك الذين رفضوا أن يكونوا مطيعين.. إن كل شيء عظيم أنجزته البشرية كان مقترنا بقدر من التمرد، ومن الخروج علي مبدأ الطاعة"

كان شغوفا بالموسيقى الكلاسيكية ، قارن بينها وبين الموسيقى العربية ، فوضع يده على مكامن الخلل والنقص ، شغفه تنوع وثراء الموسيقى الكلاسيكية ، الهارموني بين كل آلات الأوركسترا التي تعزف في آن واحد ، في كتابه المهم التعبير الموسيقي ، والكتاب الرائع الصغير " مع الموسيقى " وهو مقالات مجمعة قديمة نشرت في الستينات .

وضع كل شيء أمامه موضع المساءلة ، بالمنطق والحدس يصل إلى الجوهر الكامن ، إلى الحقيقة التي كانت مراده الدائم ، العقل هو الدليل والمرشد ، لم يكن متعاليا في لغته ، كان يخاطب الناس ، قليلون من فعلوا ما فعل. لذا أظن أن فؤاد زكريا لديه إجابات كثيرة ، بل وطرح أسئلة لم يطرحها أحد قبله ، وأظن أن قراءة كتبه غاية في الأهمية في الوقت الحالي – بالنسبة لي على الأقل .

" الثقافة الحقيقية ليست أمانا واطمئنانا، وليست دعة وهدوءً ، وإنما هى العيش فى خطر ، وهى قلق وتوثب وترقب دائم "

هناك تعليقان (2):

  1. ونعم الاختيار :)
    اثناء قراءة البوست تذكرت د.زكى نجيب محمود ... وخصوصاً اثناء قراءة الجزء الخاص بتحول تفكيرنا الى الدجل والشعوذة ... تذكرت كتاب كنت قرئته لذلك الرجل كتاب تجديد الفكر العربى

    الا ان اختياراك للفقرات التى عرضتها لفؤاد زكريا جعلتنى شغوف بقراءة كل ما كتب ... الطاعة ... آفة المنطقة العربية كلها

    جلوا صارماً وتلوا باطلاً وقالوا صدقنا فقلنا نعم

    بوست رائع

    ردحذف
    الردود
    1. الراجل ده مهم بشكل لا يوصف
      قدرة تحليلية فذة
      ثقافة واسعة جدا
      قراءة عميقة للواقع الاجتماعي والسياسي
      وبيكتب بلغة سهلة جدا بالنسبة لغيره من المفكرين
      جريء ومكنش بيخاف اطلاقا

      كل ده يخليه في مصاف المفكرين الكبار اللي حاولوا تغيير مجتمعاتهم ، وحلل أفكار وسلوكيات شائعة وضرب في كتير من ثوابت المجتمع الفاسدة
      أظن اننا محتاجين نقرا كتبه تاني اليومين دول ، لو فهمنا اللي هو فهمه ، واتعلمنا نستخدم عقولنا زي ما قالنا ، هيفرق معانا كتير جدا السنين اللي جاية

      لان زي ما انت شايف الهبل كتر اوي في البلد اللي حال ناسها بقى زي الزفت

      جايز لو جيلنا قرا فؤاد زكريا كويس هو وغيره يقدر يعمل حاجة

      وعلى فكرة
      هو كان تلميذ مباشر لزكي نجيب محمود

      وكالعادة يا ابو السيد نورتني
      باحس ببهجة كده يا أخي لما باشوفك :)
      مساءك جميل يا عرب

      حذف

لا تجلسْ على العتباتِ
كالشحَّاذِ أو جابي
الضرائبِ
لا تكنْ شُرطيَّ سَيْرٍ في الشوارع
كن قويّاً ، ناصعَ الفولاذ ، واخلَعْ عنك أَقنعةَ
الثعالبِ
كُنْ فروسياً ، بهياً ، كاملَ الضرباتِ . قُلْ
ماشئْت .