الأحد، 7 أكتوبر، 2012

فصل من حكايات الشارع والتجربة


ما أسوء أن تظل أربعة أعوام كاملة تتسكع على النواصي مع الأرزال والتافهين، تسمع تامر حسني مجبرا، وتسمع نفسك بعد حين تدندن "بتغيب وانت اللي على بالي وان كنت مش غالي يبقى مفيش غاليين" تغازل الطالبات العابرات، تنظر إلى مفاتنهن وهن حريصات على إظهارها، تخبيء السجائر الكليوباترا والبلمونت الفرط في الشراب صيفا وفي القميص تحت البلوفر شتاء كي لا تكون الضحية أو الأبله وأنت أصلا لا تمتلك نقودا لتشتري سجائر أخرى .

لا يحبكم محمود قاسم كثيرا، فقط يتودد إليكم لكي تملئوا السايبر وتجلسوا وتدفعوا ثمن ساعات النت والشيبسي والمياه الغازية، مشروعه الناجح بعد عدة مشاريع خائبة، وطبعا لم يكن يرفض إذا لف أحدهم سيجارة أو جلس لصق فتاته يخبط صدرها بكوعه كأنه غير متعمد أو يضع يديه على فخذها، أما بعد العاشرة ليلا فوقت المرح الحقيقي، وطبعا لا داعي للقول أن أفلام البورنو والرقص الشرقي تملأ الأجهزة والصابون والشامبو في الحمام لمن أراد الاستزادة .

(السيد منصور) سائق التاكسي العليم بأمور النساء القادر على كشفهن واستمالتهن بنظرة واحدة، (رضا جبر) اللص السابق الذي يحمل في جيوبه دائما ما طاب من أجود أنواع البانجو السيناوي الأصفر - مشروبه المفضل - والأمواس لزوم تقطيع الحشيش وورق البفرة طبعا وفيما بعد تعرف أنه من أرباب السوابق 3 قضايا سرقة بالاكراه وقضية حيازة مخدرات وقضية نشل، ومجاهد كرشة – ليس اسما سينمائيا – البلطجي الضخم دميم الوجه يجلب علينا الوبال دائما بسبب وقاحته ورزالته على خلق الله فكلما مشى أحدهم مع فتاته لم يسلم من هذه الدبابة البشرية .

أما أصدقائك الأقرب فكانوا هم السبب في التعارف ورغم كل شيء مازلت تحمل لهم شيئا من الود، (البدري) الثرثار الحلنجي طيب القلب – صار تاجر مخدرات قد الدنيا الآن – سبب هذا التجمع، (هيثم) زميل الثانوية وأقربهم إلى قلبك وأقربهم لك طبعا ونفسا، ظروف تواجدكما كانت متشابهة إلى حد كبير ولكنه كان أقدر على مجاراة الأحداث والدخول وسط المعمعة.

وفاة أبيك في هذه السن -سن ال19 – وأنت تنضج بسرعة، وعيك مضطرب، دمك فائر، مزاجك متعكر دوما، يتكرر الرسوب الدراسي، دائرة الفشل تكاد تنغلق وتحاصرك، معلق أنت، حياتك دائما بين بين، وفجأة يختفي صوت الشجار المتبادل بينك وبين أبيك كأنك أصبت بالصمم وأنت في شارع مزدحم، يمزقك الخوف كلما تذكرت مشهد الموت، وتحمل إحساسا بالذنب لا تعرف سببه .

تصحو وتنزل دون افطار حوالي العاشرة أو الحادية عشرة لكي لا تفوت من اليوم شيئا، الافطار في المقهى وكوب الشاي والسيجارتان الفرط بالعدد وتبدأ بطولة الدومنه اليومية، وقت تصفية الحسابات وإثبات القدرة والسيطرة، فالرابح في الدومنه أوالطاولة هو عريس اليوم . خمسة جنيهات في اليوم لا تكفي لاقامة شبه كاملة خارج البيت، لا تكفي الأكل، عشر سجائر فرط، كوب شاي، المواصلات وأنت تسكن بعيدا عن مكان التجمع .

دربت نفسك وتأقلمت على هذه الحال، بعدما كنت كائنا بيتوتيا، كرهت البيت وجدرانه، انفكت قبضة أبيك، طاشت الخطى، أردت أن تخوض الحياة بأسوء طريقة ممكنة، تمعن في إيذاء أمك، عن عمد تخيب أملها فيك، ترسب لكي تضايقها فحسب، تحب مواد الكلية وتقرأ الكتب كاملة وتستوعب كل ما فيها وتترك ورقة الاجابة بيضاء من غير سوء، كما فعلت في الثانوية العامة من قبل، عرفت أنهم يحبون أن يروك ناجحا ويلحون في طلب المجموع الكبير فكرهت أن تكون كما يريدون .

تكره البيت، تتسكع في الشوارع، كلهم يذهبون إلى بيوتهم وأنت تدور، تمل من جلسة السايبر ومن الحكايات المعادة عن الشجار بالسكاكين والسِنَج ومن حكايات النوم مع العاهرات والمطلقات، تحتويك الشوارع حتى الثانية ليلا، أصدقائك القدامي أشد إملالا، لا يشربون مثل ( رضا )، ولا يغازلون البنات بحنكة وحرفنة مثل السيد منصور الشهير بـ( السيد كِبَد )، ولا يملكون حكايات مثيرة مثل (مجاهد كرشة) يكتفون فقط بالمشاهدة، مشاهدة أفلام البورنو والكرة التي تكرهها ومشاهدة البنات الفائرات يعبرن من أمامهم في الجامعة والشارع وهم يكتمون أنفاسهم ولا يقدرون حتى على الكلام وأنت تريد أن تقابل أناسا جددا، تريد أن تقابل الغرباء أبناء الشارع والتجربة .

ينضم إلى الشلة أعضاء جدد (محمود جمعة) جذبته جلسة المخدرات وصار شرِّيبا ثقيلا، ( شتا ) أعجبته المغامرات الصغيرة وجو الاثارة فهو البدين الطيب مضحك الجميع القادم حديثا من الخليج، نادر بخبثه ولدغته في الراء وإفراطه في حكاياته وبطولاته المبالغ فيها، جاء لينغص على الجميع جلساتهم .

ومن الطبيعي أن تنضم (مروة مجاهد) ومعها (صفاء) و(شيماء) و( بدر)، دخلن معا وخرجن معا، لم يستطعن أن يفزن بعريس جيد، أفراد الشلة تائهون وأنت تقف على الحياد منهن، أرادت (مروة) أن تستميلك ولكنك كنت تراهن جميعا مثل البضاعة الراكدة، رغم جسدها الفائر وشفتيها الممتلئتين وكلامها المليء بالإيحاءات الصريحة، تقرر أنك لن تصاحب فتاة امتدت إليها أيادي كل أصدقائك تقريبا في رحلة إلى الاسكندرية ! .

تنخرط أحيانا وأخرى تكتفي بالمشاهدة، كأنك بيولوجي يراقب جراثيم تحت المجهر، ماذا لو علموا أنك تقرأ أو تحديدا أنك كنت تقرأ – مللت القراءة وقتها فليست هي السبيل الذي تريده الآن - عاملوك بلطف في البداية فأنت ابن الناس الكويسين الذين رمت بهم الأقدار، يحترمونك من الظاهر ويحقدون عليك وعلى أمثالك من الباطن، ساعة السُّكر يظهر كل شيء، من يقع تحت وطأة المخدر ما له من راحم، سخرية ممزوجة بالحقد تعلن عن نفسها دون رقيب، غضبت وأنت سكران لأنهم سخروا من بدانة ( شتا ) يعاملونك بلطف في المواقف العادية، وينتظرون ذلاتك، فإن لم تحدث وأنت في وعيك قلبوا وجوههم وأنت سكران .

كنت تعرفهم جميعا وتقرأهم جيدا منذ البداية، قررت أن تكمل لأنك تريد أن تتعرف أكثر على هذا العالم، أو بمعنى أصح دون ادعاء للحكمة بأثر رجعي لأنك لم تجد شيئا آخر تفعله .
تنسحب إلى داخل نفسك مثلما تفعل دائما إذا خاب مسعاك أو إن لم تجد ما كنت تصبو إليه، وبعد شهور قليلة تعرف أن (مجاهد كرشة) قُتل في مشاجرة وانفرط عقد الشلة إلى جماعتين منفصلتين بفعل الخوف أو لأن الأشياء دائما تجري بهذا الشكل، وعدت وهيثم تهربون إلى لاشيء في كتب الجامعة كلٌ في كليته، وانحسروا جميعا وبقيت وحدك دونهم، والآن أنت لا تعرف هل كسبت أم خسرت كل ما تعرفه أنك واقف على قدميك منهك ومكدود ولم تجد ما تصبو إليه بعد .

هناك 6 تعليقات:

  1. لأنك لم تجد شيئا آخر تفعله ولم تجد ما تصبو إليه بعد .
    بكره تروق وتحلى إن شاء الله

    ردحذف
  2. تسعين او اكتر من تسعين ف الميه من اللى حكيته ده العبد لله عاشه ... والحمد لله ان ربنا بينجى الواحد من الاشكال دى ... دول مجتمع قائم بذاته بقذارته برزالته بسافهته بحرافيشه ... ولن تجد عندهم اى شىء غير التفاهه وقلة الاصل اللى انتى قاريها ف عيونهم ومش قادرين يخبوها ... انت خايف لا يعرفوا انك بتقرا او حتى قريت قبل كده ... تصدق بقى انى كمان بشرحلهم وبحكيلهم وبنورهم بهدف الارتقاء بيهم كدور اجتماعى واقع على عاتق اى مثقف ... ولكن ... وشر الكلام بعد لكن ... لقد ادمنوا ان يكونوا اقذار المجتمع وقاعه ... يسفهون كل ما هو جميل ... يقدسون القبح والدعر ... دعهم وشأنهم فليس فيهم اى خير ... !

    ردحذف
  3. الكلام ده كان من زمان يا ابو السيد ، دلوقتي كل حاجة اتغيرت
    تقدر تقول كانت فترة وعدت بس رغم كل حاجة كانت تجربة مهمة واتعلمت منها كتير

    ومبسوط انك ملمس معايا في المنطقة دي ، قليل جدا من المثقفين اللي عاش التجربة دي
    حبيي يا عرب :)

    ردحذف
  4. لا انكر انك مثقف
    هل هناك داعي لتذكيرنا بذلك كل عدة دقائق

    ردحذف

لا تجلسْ على العتباتِ
كالشحَّاذِ أو جابي
الضرائبِ
لا تكنْ شُرطيَّ سَيْرٍ في الشوارع
كن قويّاً ، ناصعَ الفولاذ ، واخلَعْ عنك أَقنعةَ
الثعالبِ
كُنْ فروسياً ، بهياً ، كاملَ الضرباتِ . قُلْ
ماشئْت .