الخميس، 6 سبتمبر، 2012

حُجاز كار



الحنة الحنة الحنة يا قطر الندى
شباك حبيبي يا عيني جلاب الهوى

رغم أن المناسبة كانت زفافا إلا أن اللحن الحزين وشى بما يعتمل في نفوس المصريين وهم يودعون (قطر الندى) ابنة (خمارويه) حين زُفّتْ إلى رجل في سن أبيها أو أكبر، هذا اللحن الذي احتفظت به ذاكرة الموسيقى العربية الشعبية وتم استخدامه في كثير من المواويل والألحان العربية، ومن يسمع موال (فوق النخل) أشهر مواويل العراق والشام يجد النغمة قريبة جدا ربما كان اللحن السابق محوّرا أو لأنهما من ذات نغمة الحُجاز كار .

الحجاز كار الخاشع بقوة، الشجيُّ بخفة، هو النُبل الحزين، تراهُ في مسحة شجن رجل مستعصم لا يعترف بالألم بسهولة، في رفة صوت المحارب المرهق بعد عودته منتصرا يبحث عن الأحباب المفقودين، في شقوة العاشق المُبتلى الذي لا يفصح وتوقِعُهُ زلة اللسان .

ليس متباكيا حزينا عن عمدٍ كالصبا ولا نوَاحًا كالهُزام، يجسد الحزن على ما جلبته المقادير وصروف الدهر غير المتوقعة، يجسد تحمل الهزائم بصبر ولا يظهر الألم إلا في نغمتين فقط .

الحجاز كار هو الصوفي الذي هدّهُ الهوى والفناء في المحبوب فهام يوميء ولا يصرّح، يرى البرتقاليَ دفئا والشجر ناسكا يفرد ذراعيه للعصافير، يرى الوصل في كل باب والحزنَ مرحمة وتطهيرا وقلبه يفيض ولا ينقص، لا يأتي فجأة بل يتهادى، يتخمر رويدا رويدا حتى ينضج ويستوي شجنا متشعبا أصله في الأرض وفرعه في السماء .

في هدأة الليل يتجلّى ويطيب، تسمعه في مناجاة الريح للصفصاف، في آذان الفجر بين النوم والصحو، مخمليٌ خريفي خفيف، يعبر المنصتين فيملك عليهم قلوبهم ولا يستطيعون رده .

يرف في قلبك حين تمشي وحيدا خاليا من كل شيء سواك وترى ضوء النيون من بعيد يضيء وينطفيء وتسأل عن حجم الدفء في الغرفة، هو كل إيحاءٍ خفي في كلام البنت وعيونها، وتر مشدود بخفة إلى أقاصي الدم، يتحيز إلى حيرة البريء وخوفه من العالم المجهول، هو الحزن الشفيف المتواري المخلص أبدا لصاحبه .

ومن يجسد الحُجاز كار غير المتوحد البهي رياض السنباطي