السبت، 4 أغسطس 2012

نبيذ

بعد ثلاثة أرباع الزجاجة، بدأ إحساسه يختل، صوت فيروز صار يأتي من لا مكان، نور الغرفة الأبيض تحول إلى رمادي ما يلبث أن يتكاثف شيئا فشيئا، شعر بانتشاءٍ عميق يتخلل شرايينه، كان يشعر دائما بأن الخمر تعيد تشكيل روحه، ممددا على السرير، يدخن سيجارة بعمق، وقد وصل انتشاءه إلى أقصاه، وصديقه جالسٌ على الأريكة صامت منذ فترة يخفي وجهه بألبوم صور .
أراد مزيدا من النشوة ، فقال :
-" قوم يا أحمد هاتلي كباية مية بسكر "
- " طيب .. " جاء صوته غريبًا ، كأن شيئــًا يسد حلقه
- " مالك ؟ "
وإذا بصديقه فجأة يبدأ في البكاء، ما جعله يعتدل ويسأل صديقه مستاءًا من إفساده الليلة التي ظلا يرتبان لها أسبوعًا كاملاً
سأله بغضب :
- " بتعيط ليه دلوقتي ؟ "
- " افتكرتها وأنا باتفرج ع الصور "
ومع نهاية آخر كلمة، بدأ صديقه في بكاء موجع، فأصر على أن يعود لمنزله رغم وعد صديقه أن ينتهي من البكاء وإلحاحه على البقاء معه، والإتيان بأعذار عن الوقت المتأخر وحالته السيئة فهو لن يستطيع أن يسير مترين ، ولكن مع إصراره تركه يخرج في جوف الليل بقدمين رخوتين وعينين شبه مغلقتين باحثا عن تاكسي .
كان الهواء البارد المحمل برطوبة النيل أول ما صادفه عند الخروج من بوابة المنزل، وقف على ناصية الشارع مشعلاً سيجارة ينتظر قدوم التاكسي في هذا الوقت المتأخر مستمتعا بالهواء البارد الذي يزيد من احساسه بالإنتشاء العارم .
أول ما فعله عند دخول غرفته أن فتح الكمبيوتر ليسمع صوت فيروز، أغلق النور وارتمى على السرير، لاعنا صديقه فهو يكره أن يرى الضعف البشري في أي صورة من صوره.
وفي ظل الانتشاء الغامر تذكر حبيبته التي انتقلت من خانة الحبيبة البتول إلى خانة العشيقة في ظل ظروف غامضة، ومازال يجمعهما حتى الآن شبق سري جامح
أرسل لها رسالة على الموبايل وهو متأكد من أنها ستتصل به، فهي تعرف ما تريده منه تماما
يرن الهاتف المحمول :
( راح اللي راح وانتهى ، وسنين حياتي كلها لا سبتها ولا عشتها من شوقي ليك )
-ايه اللي مصحيك لغاية دلوقتي؟
-.......................
-انت شارب حاجة ؟
-آه .. عندِك مانع ؟
تضحك بدلال وتقول :
-" شكلك ناوي تبوظ الدنيا المرة دي "
وبدءا فيما تعودا على فعله خلال الشهرين الماضيين، وهو لم يكن في حاجة إلى تمهيد كبير لكي يصل إلى أكبر قدر من الإثارة، فللخمر دورها الفعال، وهي تنهار بسرعة تحت تأثير صوته وكلماته وإندفاع الهواء من أنفه وفمه في التليفون
وعند الذروة ، صمتَ فجأةً ، نادت عليه فلم يرد، وهي تسمع صوت أنفاسه، فإذا به يبدأ في النشيج بصوت عالٍ، فـَـزِعَتْ من التغيير المفاجيء، فسألته بذعر أكبر هذه المرة :
- " ايه اللي حصل ؟ "
قال وهو يبكي : 
- " إحنا معدش ينفع نتكلم تاني "
- " في إيه بس ؟ "
- " كده "
وأغلق الخط ...
الهاتف يرن....
-آلو
-ازيَّـك ؟
-الحمد لله
-كل سنة وانتَ طيب
-وانتِ طيبة
- مالَك ؟.. صوتَك متغير
-يعني مش عارفة مالي ؟!
-برضه هتقوللي عشان أنا مش عارفة أعمل حاجة وأفك الارتباط ده ؟
-أمال أقولك ايه يعني ؟
- المهم مش عايزاك تضايق بقى احنا في عيد
-............ طيب
-انت بتعمل ايه دلوقتي ؟
-ولا حاجة، كنت هالبس وخارج شوية اشم هوا
-بس انت مبتحبش تخرج في الزحمة
-أهو بقى .. عادي يعني
-وحشتني أوي
-وانتِ كمان
-ومالك بتقولها كده ؟ عامة لما اروح البيت هنسهر ونتكلم براحتنا
- هو انتِ في البلد ؟
- آه
يأتي صوت من بعيد : يالا يا ( ... ) الناس جت
-مين بينادي عليكِ ؟
- دي ماما..أصلي نازلة ألبس الدبلة دلوقتي
-......................................
________________________
- ايه يا ابني مالك ؟
-مفيش حاجة
-لا انت شكلك تعبان جامد .. عندك برد ولا ايه ؟
- يا ابني مفيش والله أنا كويس .. مرهق شوية بس
-ده انت مش قادر تمشي .. تعالى أنا هاروحك
_____________________________
الطبيب : ضغطك واطي شوية هاكتبلك على دوا يظبط الضغط ..
ممنوع شرب قهوة وسجاير وزود الملح في الأكل
أخطأ الطبيب في التشخيص
ولم يعرفْ أنها مَزَقـَتْ دمَهُ نصفين
فاهتزَّ قلبُه كفقاعةٍ وانفثأ !

هناك 8 تعليقات:

  1. (وفي ظل الانتشاء الغامر تذكر حبيبته التي انتقلت من خانة الحبيبة البتول إلى خانة العشيقة في ظل ظروف غامضة)

    انتقلت : الفعل ده فعل ماضى ولاء مبنى للمجهول :)
    اصلها تفرق ف المسئوليه عن الانتقال

    اللى اتدفع تمنه هنا :

    ( -برضه هتقوللي عشان أنا مش عارفة أعمل حاجة وأفك الارتباط ده ؟ )

    فنفس الفرد حمل المسئولية ف الأولى للمجهول والظروف الغامضه ... وكذلك فعل نفس الشىء ف الثانيه ...

    الأن من المسئول عن تمزق قلبه نصفين ؟
    :)

    ردحذف
  2. لا ده فعل ماضي

    وأكيد هي المسئولة طبعا :D

    ردحذف
  3. عزيزى تشرفت بانضمامى لاسرتك الصغيره التى اتمنى لها ان تكبر ..اعجبتنى جدا طريقه سردك لقصه اصبحت للاسف احداثها منتشره فى ظل ظروف الفقر والحاجه وعدم وجود فرص العيش التى يعانى منها مجتمعنا العربى ..مبدع انت سيدى ..لك منى باقات توليب من اللى بيحبها قلبك ههه

    ردحذف
  4. أنا لي كل الشرف انك نورتيني

    واللعنة على الفقر .. اللعنة على السكس فون .. اللعنة على الأبراج

    وشكرا على التيوليب اللي غالبا هاكتب عنه قريب

    ردحذف
  5. الله علي الجمال تسلم الايادي

    تشرفت بوجودي هنا ولن تكون المرة الاخيرة

    تحياتي

    ردحذف
  6. أسلوب مميز في طريقة العرض والسرد
    بالتوفيق دائما

    خالص التقدير والاحترام
    تقبل مروري

    Casper

    ردحذف
  7. صديقي حلاوة

    أشكرك وتنورني في أي وقت

    ردحذف
  8. أشكرك يا عزيزي كاسبر

    ردحذف

لا تجلسْ على العتباتِ
كالشحَّاذِ أو جابي
الضرائبِ
لا تكنْ شُرطيَّ سَيْرٍ في الشوارع
كن قويّاً ، ناصعَ الفولاذ ، واخلَعْ عنك أَقنعةَ
الثعالبِ
كُنْ فروسياً ، بهياً ، كاملَ الضرباتِ . قُلْ
ماشئْت .