الجمعة، 31 أغسطس 2012

محاولات أولية لادعاء الحكمة


الناصحون والفضوليون هم أولاد الوسخة الحقيقيون ولكن كثيرا لا يعلمون .
الاكتئاب جميل واليأس شاعري جدا ولكن إن لم يجعلك الألم تزداد حكمة وخبرة وجمالا فلا لزوم له ولا جدوى منه، وكلما قرأت روايات علاء الديب وبهاء طاهر، أدرك أن الاكتئاب امتصّ قدرتهما على كتابة نص جيد متماسك، كتاباتهما غارقة في اليأس والخيبة والشعور بالذنب مشاعر الأبطال مضطربة دائما والفراغ والملل وعدم الجدوى عماد الكتابة ونواتها.
راجعت نفسي في فترات مختلفة من حياتي فوجدت أن أسوء آفاتي كانت الافتعال، حاولت كثيرا أن أكون شخصًا آخر غير نفسي، اغتصبت الضحك، اغتصبت الكلام، تركت العنان لانفعالاتي تجرفني في مواقف شتى، وها أنا أحاول أن أعود إلى نفسي مرة أخرى .
تلومني خطيبتي لأنني أغفل الكثير من الواجبات ولا أقدم الدعم الكافي للآخرين وخاصة الأصدقاء؛ حسنا أنا أستطيع أن أقدم الكثير للآخرين ولكنني لن أفعل إلا لمن أريد ولمن يستحق – وهم قلة على كل حال – لقد خُذِلتُ كثيرا ولن أقدم شيئا دون مقابل ويجب أن يكون المقابل مقدما .
اكتشفت أنني أفرح بنظرة الاستغراب والتفحص التي أراها في أعين الزملاء ولسان حالهم يقول إنه متحفظ وقليل الكلام ولا يريد أن يشاركنا أي شيء وقيل لي ذات مرة أنني (بِرّاوي)، ومعنى هذا أنني نجحت في توصيل ما أريد بأقل قدر ممكن من التفاعل الاجتماعي .
لو ظهر لي المصباح السحري لطلبتُ من الجنيِّ أن يهبني بصيرة الموسيقيِّ وينزع بصيرة الشاعر ويرسلني إلى سويسرا أبني بيتا في الريف وأكون بيانيست أوركسترا سويسرا السيمفوني لو كان لديهم واحدا وأغلب الظن أنه موجود .
الروتين الحكومي ليس كيانا جامدا كما يظن البعض بل كيان مرن يمتلك يقظة الثعالب وفطنة الثعابين، جربت أن أناوره منذ يومين وها أنا محول إلى الشئون القانونية .
لو وضعتك الظروف في موقف تتحكم منه في مصائر خلق الله فافعلْ وافشخهم فسوف تدور الدائرة وتكون تحت الرحى في يوم ما .
أسوء عيوبي على الاطلاق أنني لا أفعل أي شيء وأريد كل شيء .
أشعر أنني لن أموت صغيرا فالباحثون عن معنىً لكل شيء مثلي لابد أن يتعذبوا طويلا ولن يجدوا ما يريدون أبدا؛ فقط في نهاية الأمر سوف يصبحون نُسّاكًا متعبدين بعد رحلة بحث شاقة مضنية .
لم أحب كتابة خيري شلبي أبدا، وهو مِن مَن نالوا لقب الكاتب الكبير بالتقادم مثل موظفي الحكومة .
اعتمدت على مضادات الاكتئاب في فترتين سابقتين من حياتي وبدافع خفي كنت أرميها بعد أيام قليلة والغريب أن جزءا من شخصيتي كان يتغير تماما بعد هذه المقاومة ويبدو أنني أصير أقوى في كل مرة ولا أعرف كم مرة أحتاج هذه التجربة حتى أكون كما أريد .
( لكن انت لوبصيت لرجليك تقع ) قالها صلاح جاهين وتأملتها كثيرا، هل كان يقصد أنك ستسقط لو نظرت الى أفعالك من باب الوسوسة أم لو نظرت إلى موطأ أقدامك من باب ضيق الأفق ؟ .
الخليج يحاول بشتى الطرق إعادة شاعر الخليفة إلى صدارة المشهد الشعري ويرمي سررا من الدنانير أمام الشعراء الذين يختارهم ولكن ليست هذه المشكلة، المشكلة أن الدنانير أفسدت شاعرا صاحب مشروع  كبير كـ أحمد بخيت .
فيما مضى كنت أحلم بمساعدة البشرية جمعاء وجعل العالم مكانا أفضل واليوم أحلم بتدميره نهائيا .
قال لي:
متحكمش على الناس بسرعة .. افهم دوافعهم وأفكارهم الأول
ربنا أحن من كده لازم تحبه
متكرهش الفكرة لمجرد انك بتكره صاحبها
سيب الاساءة تعدي بس متنسهاش
الغضب هيبهدلك سيطر على نفسك ولو غضبت جدا امشي كتير ولو قاعد مع حد استأذن وارجع تاني
أتممت السابعة والعشرين منذ أيام والثلاثون كأنها شبح ، كل ما أريد أن أعمل في صمت وأتقاضى مرتبا جيدا ويتركني الناس وشأني .
فيلم I am legend  وروايتا يوتوبيا وآلة الزمن، وكل الأعمال الفنية التي تتنبأ بأن البشر سوف يتحولون إلى كائنات همجية غبية في المستقبل القريب ثبُتَ أنها فكرة كاذبة ولن تتحقق أبدا لأن البشر هكذا بالفعل .

السبت، 25 أغسطس 2012

إلهي إلهي لماذا خلقتني ؟!



وأنا صغير لم أكمل السابعة حلمتُ أن الله تنزل في صالة دارنا – وحاشاه سبحانه وتعالى – مع سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، بيتنا القديم كان موحشا مقبضا ولا أدرك السبب، حلمت أنني أرى نفسي صغيرا في صالة البيت المظلمة وفجأة أنارت النجفة وتنزل النبي محمد على هيئة رجل أبيض يشع وجهه نورا يرتدي جلبابا أبيض وطاقية بيضاء، ثم تنزل الله تعالى على شكل لفظ الجلالة مفعما بالنور -سبحانه عز وعَلَى عما أقول- ، لم أحكِ الحلم لأي أحد حتى الآن ولا حتى لأمي ولكنه ترك شيئا ما في صدري لا أعرف ما هو ربما لو كنت رويته لخفّ هذا الأثر ولكنني لم أفعل خوفا من العقاب .

أتعامل مع الله كأنه قريب جدا رغم ما ارتكبت من أخطاء، في قمة لوعتي وحيرتي وسخطي على الدنيا والناس اتجهت إليه وأنا نائم على السرير لم أكن أدعوه كنت أكلمه، كل ما أريد أن أكلمه وأنا أعلم جيدا أنه يسمعني، لا أدعوه برفع الكفِّ والتباكي بل أكلمه وأثني عليه بما هو أهل له وأخبره بما يعلم، أخبره بكل ما في نفسي فإن لم يستجب فسيرسل الصبر والبرودة على قلبي المليء بالشكوكِ دومًا .

"إلهي إلهي لماذا تركتني" قالها المسيح في أوج لحظات التعذيب والتنكيل على الصليب، لم أعلم من قبل أن لشخص ما الحق أن يسأل الله، لا يسأل عما يفعل والبشر يسألون، أعرف أن السؤال اعتراض غالبا وما كان لنبي أن يعترض على مشيئة الله، دعوته أكثر من مرة ولم يخيّب ظني لكنه يؤجل ما أريد ليختبر صبري ودائما أفشل في الامتحان أنا المتعجل كل شيء .
في وقت الشدة أدعوه وأنا نائم في الظلام، أكلمه وأبوح بكل ما في نفسي كأنني أخاطب ذاتي، آخر ما طلبته أن يرزقني الصبر واليقين، دعوته وأنا أضمر في صدري أشياء وأشياء أعرف أنه لن يلتفت إليها فهو يعرف أنني العبد المغلوب على أمري العارف بقدرته .

العلاقة معقدة جدا يا الله
من أنا ؟ أعرف أنني جئت برضايَ لأجل غايةٍ ما أردتَها أنت بمشيئتك، كيف أواجه العالم وأواجه نفسي في نفس الوقت ؟ ولماذا أواجه نفسي من الأساس ؟، هل ستعطيني الوقت لأفهم نفسي والدنيا ؟ هل سأدرك علاقتي بالعالم ؟ هل سأدركها باكرا أم متأخرا ؟ هل سأحقق ما أريد ؟ هل سأحقق ما تريده مني ؟ لماذا تؤلمني الشكوك ؟ لماذا خلقتني مستبصرا ولم تخلقني عاديا ؟ أين اليقين ؟ لماذا أسأل ؟ لماذا لا أراك مثلهم ؟ لماذا لا أدرك غاياتك مثلهم ؟ لماذا يؤلمني كل شيء ؟ لماذا أنا هكذا ؟ لماذا أفكر فيك كثيرا ؟ لماذا لا أحب ما يحبون وأرجو ما لا يرجون ؟ لماذا لا أحتمل تفاصيل العبادة ؟ يرونك في حركات آلية يؤدونها بلا روح وأراك في شجن الخريف وهدأته، في حكمة الصفصاف، في خوف الغزالة على ابنها، أراك في كل معنى خفي، في كل شيء أحسه ولا أجد له تفسيرا، في انبهاري بتراكيب اللغة، في شهقة أمي حين تخاف  .. يارب كل ما أريد أن أرتاح قليلا، اجعلني أعرف نفسي أولا ثم ليكن ما يكون .

السبت، 4 أغسطس 2012

نبيذ

بعد ثلاثة أرباع الزجاجة، بدأ إحساسه يختل، صوت فيروز صار يأتي من لا مكان، نور الغرفة الأبيض تحول إلى رمادي ما يلبث أن يتكاثف شيئا فشيئا، شعر بانتشاءٍ عميق يتخلل شرايينه، كان يشعر دائما بأن الخمر تعيد تشكيل روحه، ممددا على السرير، يدخن سيجارة بعمق، وقد وصل انتشاءه إلى أقصاه، وصديقه جالسٌ على الأريكة صامت منذ فترة يخفي وجهه بألبوم صور .
أراد مزيدا من النشوة ، فقال :
-" قوم يا أحمد هاتلي كباية مية بسكر "
- " طيب .. " جاء صوته غريبًا ، كأن شيئــًا يسد حلقه
- " مالك ؟ "
وإذا بصديقه فجأة يبدأ في البكاء، ما جعله يعتدل ويسأل صديقه مستاءًا من إفساده الليلة التي ظلا يرتبان لها أسبوعًا كاملاً
سأله بغضب :
- " بتعيط ليه دلوقتي ؟ "
- " افتكرتها وأنا باتفرج ع الصور "
ومع نهاية آخر كلمة، بدأ صديقه في بكاء موجع، فأصر على أن يعود لمنزله رغم وعد صديقه أن ينتهي من البكاء وإلحاحه على البقاء معه، والإتيان بأعذار عن الوقت المتأخر وحالته السيئة فهو لن يستطيع أن يسير مترين ، ولكن مع إصراره تركه يخرج في جوف الليل بقدمين رخوتين وعينين شبه مغلقتين باحثا عن تاكسي .
كان الهواء البارد المحمل برطوبة النيل أول ما صادفه عند الخروج من بوابة المنزل، وقف على ناصية الشارع مشعلاً سيجارة ينتظر قدوم التاكسي في هذا الوقت المتأخر مستمتعا بالهواء البارد الذي يزيد من احساسه بالإنتشاء العارم .
أول ما فعله عند دخول غرفته أن فتح الكمبيوتر ليسمع صوت فيروز، أغلق النور وارتمى على السرير، لاعنا صديقه فهو يكره أن يرى الضعف البشري في أي صورة من صوره.
وفي ظل الانتشاء الغامر تذكر حبيبته التي انتقلت من خانة الحبيبة البتول إلى خانة العشيقة في ظل ظروف غامضة، ومازال يجمعهما حتى الآن شبق سري جامح
أرسل لها رسالة على الموبايل وهو متأكد من أنها ستتصل به، فهي تعرف ما تريده منه تماما
يرن الهاتف المحمول :
( راح اللي راح وانتهى ، وسنين حياتي كلها لا سبتها ولا عشتها من شوقي ليك )
-ايه اللي مصحيك لغاية دلوقتي؟
-.......................
-انت شارب حاجة ؟
-آه .. عندِك مانع ؟
تضحك بدلال وتقول :
-" شكلك ناوي تبوظ الدنيا المرة دي "
وبدءا فيما تعودا على فعله خلال الشهرين الماضيين، وهو لم يكن في حاجة إلى تمهيد كبير لكي يصل إلى أكبر قدر من الإثارة، فللخمر دورها الفعال، وهي تنهار بسرعة تحت تأثير صوته وكلماته وإندفاع الهواء من أنفه وفمه في التليفون
وعند الذروة ، صمتَ فجأةً ، نادت عليه فلم يرد، وهي تسمع صوت أنفاسه، فإذا به يبدأ في النشيج بصوت عالٍ، فـَـزِعَتْ من التغيير المفاجيء، فسألته بذعر أكبر هذه المرة :
- " ايه اللي حصل ؟ "
قال وهو يبكي : 
- " إحنا معدش ينفع نتكلم تاني "
- " في إيه بس ؟ "
- " كده "
وأغلق الخط ...
الهاتف يرن....
-آلو
-ازيَّـك ؟
-الحمد لله
-كل سنة وانتَ طيب
-وانتِ طيبة
- مالَك ؟.. صوتَك متغير
-يعني مش عارفة مالي ؟!
-برضه هتقوللي عشان أنا مش عارفة أعمل حاجة وأفك الارتباط ده ؟
-أمال أقولك ايه يعني ؟
- المهم مش عايزاك تضايق بقى احنا في عيد
-............ طيب
-انت بتعمل ايه دلوقتي ؟
-ولا حاجة، كنت هالبس وخارج شوية اشم هوا
-بس انت مبتحبش تخرج في الزحمة
-أهو بقى .. عادي يعني
-وحشتني أوي
-وانتِ كمان
-ومالك بتقولها كده ؟ عامة لما اروح البيت هنسهر ونتكلم براحتنا
- هو انتِ في البلد ؟
- آه
يأتي صوت من بعيد : يالا يا ( ... ) الناس جت
-مين بينادي عليكِ ؟
- دي ماما..أصلي نازلة ألبس الدبلة دلوقتي
-......................................
________________________
- ايه يا ابني مالك ؟
-مفيش حاجة
-لا انت شكلك تعبان جامد .. عندك برد ولا ايه ؟
- يا ابني مفيش والله أنا كويس .. مرهق شوية بس
-ده انت مش قادر تمشي .. تعالى أنا هاروحك
_____________________________
الطبيب : ضغطك واطي شوية هاكتبلك على دوا يظبط الضغط ..
ممنوع شرب قهوة وسجاير وزود الملح في الأكل
أخطأ الطبيب في التشخيص
ولم يعرفْ أنها مَزَقـَتْ دمَهُ نصفين
فاهتزَّ قلبُه كفقاعةٍ وانفثأ !