الأحد، 22 يوليو، 2012

الزيّطان



زاطَ يزيطُ زيطانا فهو زائطٌ وزيّاطٌ ومزياطٌ . وزاطَ في الشيءِ أيّ أكثر فيه الكلامَ واللتّ والعجنَ . وزاطَ مع الزائطينَ أيّ تكلمَ فيما لا يحسن ولا يعرف .
إعتبر أن ما فعلتُه في السطرين السابقين من قبيل النحت اللُغوي حيث طبقت قواعد الاشتقاق في اللغة العربية على كلمة عامية في الأساس وذلك لغرض كتابة ما يأتي .

والإنسان الزايط نوعان الأول:كداب الزفة لا جمل له ولا ناقة يزيط لأنه إمعة معدوم الشخصية يريد أن يتواجد في الصورة – أي صورة – وليست لديه القدرة ولا الخيال ليثير موضوعا ما أو يشعل قضية فيدخل وسط الجموع . والأمثلة هنا كثيرة تجد أبسطها في الأفراح حيث الراقصون بعنف ليظهروا في فيديو الفرح ليس إلا .
والنوع الثاني هو الزياط الخبيث المحنك الذي يعرف بالظبط ما يريده من إثارة قضية ما تخدم فكرته ومصالحه سريع البديهة يحول اتجاهاته بسرعة ويغير الدفة ليولي وجهه شطر القضية الرابحة التي تثير صخبا أعلى وقد يثير هو قضية زائفة من لا شيء، وهؤلاء هم الأخطر .

أبسط أشكال الزيطان في الجماعات الاجتماعية البسيطة ( جماعة الأصدقاء مثلا ) تجد صديقك الزائط هو الموافق على كل شيء وعلى أي اقتراح، لا يعترض أبدا ولا يوجه انتقادا لأي أحد، ويؤيد آراء الجميع حتى وإن كانت متناقضة - وهي غالبا كذلك- ، تجده تابعا مأمون الجانب يميل لمن يسيطرون على الجماعة ويميل للأقوياء بشكل عام، وهذا يثير الشفقة والسخرية أكثر ما يثير الحنق .

وفي الجماعات الأكبر قليلا ( الموظفون مثلا ) تجد الزائط حائرا زائغ العينين لا يجيد أداء عمله ولا يشغله أي شيء سوى الكلام، يدخل في أي موضوع مفتوح ليعرف الآراء ولا يقول رأيه أبدا – فليس لديه آراء من الأساس – يبرمج نفسه على " آه طبعا " " معقول ؟ " " يا عم مش للدرجة دي " " وانت ايه رأيك في حوار كذا ؟ " ويسأل أسئلة تافهة من قبيل الاستظراف أو ليستنطقك، يستمع إلى أكبر قدر ممكن ليدلو بدلوه وسط جماعة أخرى لا تعرف الجماعة الأولى، وهؤلاء يثيرون الاحساس بالبضيّنة والحنق إذا زادوا عن الحد، وهم تافهون في المجمل ومن الأفضل ألا تخاطبهم .

وهناك أيضا الزايط السلبي يمشى بمبدأ (خالفْ تُعَرَفْ)، يزيط في الموضوع المفتوح معترضا دون أدنى معرفة وهؤلاء فعلا يثيرون الحنق والغيظ وعلاجهم الوحيد هو التجاهل

ترتبط ظاهرة الزيطان طرديا مع حجم الجماعة، فكلما كبرت الجماعة كلما كان حجم الزيطان والهيصة أكبر، فلو فحصنا أغلب الأفكار والمعتقدات الشائعة في المجتمع لوجدناها معتقدات فاسدة ( كمعتقدات ليلة الدخلة والطب الشعبي والعلاج بالقرآن ومس الجن ) .

والمعتقدات السابقة لا ترتبط إطلاقا بمستوى التعليم أو الثقافة، فشخصية الزايط شخصية هيستيرية تتأثر بالإيحاء بسهولة ( ولي تجربة من هذا القبيل فقد كنت أعرف أكاديميا في كلية الأداب قسم الفلسفة ويؤمن بالزيبق الأحمر وقدرته على استدعاء الجن وكانت رسالة الدكتوراه التي كتبها في الفلسفة الاسلامية والتصوف ! ) .

وهناك جماعات تعتبر بيئة ممتازة لانتشار هذه الجراثيم كجماعات المثقفين مثلا، فهناك اعتقاد ضمني مفاده أنك لكي تكون مثقفا لا بد أن تسمع وجيه عزيز ومسار إجباري وبلاك تيما ومشروع ليلى وزياد رحباني، وتقرأ أمل دنقل ويحيي الطاهر وتسب الدين لأحمد خالد توفيق، وترفض الفلاسفة الكلاسيكين وتعبد نيتشه وتقرأ هكذا تحدث زرادشت وجدارية درويش يوميا، وإن نجحت رواية أو ديوان شعر لا بد أن تشتم الكتاب وصاحبه حتى وإن لم تقرأه .

وأيضا المثقفون يتقنون تكنيك – النقد بالتثاؤب ! – أو النقد المُعدي، فإن بدأ أول المتحدثين في ندوة ما تناقش كتابا ما وتكلّم عن السلبيات تجد جميع المتكلمين بعده يتكلمون عن سلبيات العمل وإن تكلم عن الايجابيات تكلموا عن الايجابيات كذلك .
( جرّب واذهبْ لندوة من هذا النوع وهتدعيلي ! )

ولقد أثبتت الملاحظة والتجربة أن الوجدان العام لأي جماعة ما هو إلا محض هراء، وأي شيء تتفق عليه جماعة ما بشكل يشبه الاعتقاد الديني هو حتما اعتقاد خاطيء، وكل من اعتنق فكرة جديدة ودافع عنها أُهينَ وأسيءَ فهمُه، فعلها جاليليو وأينشتين ونيوتن وتسلا ونجيب محفوظ وشوبنهاور وسقراط وغاندي ونصر حامد أبو زيد كثيرون فعلوها، وقفوا أمام مجتمعات غبية وشعوب جاهلة، وأوساط متعالية تهين من يعاديها ويضرب ثوابتها ومعتقداتها الفاسدة أصلا .

وإن أردت مضايقة الزايط واستفزازه فتجاهله تماما، فإن أصر فابدأ في ضرب ثوابته بحنكة وذكاء ووجه ضربات محكمة خشنة من تحت الحزام، فإما أن يصمت خوفا من المواجهة فقد فعل خيرا لنفسه ولك، أما لو زاد حماسه وقرر الدخول في نقاش فكن هادئا خشبيَ الوجه بارد الأعصاب فهو على حافة الانهيار، واستمر في توجيه ضرباتك بحكمة واقتدار وفي نهاية المطاف سوف ينفعل ويرغي ويزبد وقد يسبك ويسب الجالسين ثم في النهاية يقوم منصرفا، وبهذا فقد أراحك وهزم نفسه ! .

وهكذا يجب أن تعامل كافة الحشرات، اقتلها قبل أن تؤذيك . وقليلا قليلا سوف ينتهي الزيّاطون في محيطك وقد تؤدي خدمة جليلة للإنسانية جمعاء لو علمتهم أن يصمتوا للأبد

هناك تعليقان (2):

  1. و فى نوع رابع .. الزايط على نفسه :D

    دا بقى لو ركزت هتلاقيه بيزيط فى مدونة لا يتابعها احد .. فاكر نفسه مركز الكون وهو لا يملك من امره شيئا .. لا و بيكتب تعليقات كمان لنفسه .. النوع دا لا يثير شفقة او حنق .. هو غالبا بيثير التقزز :D

    ردحذف
  2. لا تزيط بالكلمات على الاشياء ..
    و لا تكن مزياط دوما متصنع الاستياء ..
    رب صفعة على قفاك تأتيك من حيث لا تدرى ..
    قد علمت شيئا و غابت عن قفاك اشياء :D


    مداعبة بس خفيفة كده عشان يبقى فيه كام تعليق بدل ما الدنيا فاضية كده فى المدونة

    ردحذف

لا تجلسْ على العتباتِ
كالشحَّاذِ أو جابي
الضرائبِ
لا تكنْ شُرطيَّ سَيْرٍ في الشوارع
كن قويّاً ، ناصعَ الفولاذ ، واخلَعْ عنك أَقنعةَ
الثعالبِ
كُنْ فروسياً ، بهياً ، كاملَ الضرباتِ . قُلْ
ماشئْت .