الثلاثاء، 17 يوليو، 2012

الألفي



صمتٌ ضبابيٌ يغلف الحجرة المليئة بالجالسين كأنهم في انتظار شيء ما، متحلقين حول جدتي الراقدة على السرير، لمحت بينهم خالاتي . وأنا واقف بين يدي أمي وفي الحجرة أيضا زوج خالتي التي أكرهها، أراها جالسة على السرير جوار جدتي كعادتها كأنها الابنة الوحيدة والباقون غرباء، تعليقاتها السخيفة وانفعالاتها المفتعلة تبعث فيّ كثيرا من اليأس والغيظ ولا أعرف إلى الآن كيف أدركت هذه المشاعر وأنا بعد في السادسة ولا كيف تذكرت هذا اليوم أصلا .

جالسين حزانى مكمدي الوجوه؛ قالتْ لي أمي:
"خش سلم على جدك كان عايز يشوفك"
"هو جدو ماله يا ماما "
"نايم جوه تعبان "
دفعتُ الباب برفق شعرت برهبة لمّا رأيت الظلام جاثما على الغرفة كلها كأنها مطلية بالكحلي، حتى الشُّباك لا يبعث أقلَّ بصيص، خِفْتُ من هذا الظلام الثقيل، خفت أن أدخل ولم ينادني جدي الذي كان يتلمس خطايَ ويعرف بقدومي من الشارع ويناديني من الشباك لكي أسرع في الصعود .
عدت إليهم وارتميت على ركبتيّ أمي سألتني:"ليه مسلمتش على جدك"
قلت:"انا خفت أحسن يعديني"
هوتْ صفعة مفاجئة علىّ، خافتْ أمي أن يقول السفهاء أنها لقنتني الكلام أو أنني سمعته منها أو من أبي أو لأنها كانتْ تعبد أباها، صاح البعض أن:لا حرام هو ولد صغير لا يدرك ولا يقصد، صيحة خالتي العالية الرفيعة:"سيبيه يا وفاء ميقصدش" استفزتني أكثر من الصفعة ذاتها وددت أن أقوم برد فعل ما ولكنني لم أستطع كنت أبكي بحرقة ولم أكن أُحْسِنُ الغضب .

صحوتُ على حركة غير عادية في البيت، سمعت صوت أبي وتعجبت من كونه صاحيا في السادسة صباحا على غير العادة يتهامس مع شخص ما في الصالة، دخل علينا ابن خالتي ( ما الذي أتى به هذه الساعة ؟) مبتسما واقترب من أمي وهو يوقظها، رفعتْ الغطاء عن وجهها وقالتْ بطريقة السائل العارف بالاجابة – كان قد جاءها في الحلم وأخبرها أنه راضٍ عنها - : "جدك مات يا ساهر ؟"
كان ينزل من الحنطور الخصوصي أسطوريا مهيبا، بجسده المكتنز القوي، يفضل الجلباب الصوف واللاسة والعمامة شتاء ويكتفي بالجلابيب فاتحة اللون القطنية والطاقية صيفا، نظارته التي تُكَبّرُ عينيه الزرقاوين، وعصاه المنقوشة، والخاتم ذو الفص الفيروزي، ولكنته الفلاحية الدافئة .

بالنسبة للبنات كان أكثر من أب، فهو المَعَلِم كليُّ القدرة العارفُ بكل شيء، جعل من وكالة سوق الجملة بستانا للحكايات واللعب، يحكي ويمرر الوقت كي لا تمل البنات في ليل الشتاء والعائلة جميعا تنتظر بضاعة جديدة سوف تأتي قبل الفجر بقليل ليفرغها العمال .
يظل جالسا يحكي أساطير النداهة والعفاريت التي تظهر على شاطيء الترعة في ( كفر الأبحر)، وأمامه خمس بنات منبهرات أفواههن مفتوحة يخرج منها بخار الماء على ضوء الكلوب وأمهن حادة الطباع جالسة تمصمص شفتيها وتتصعب وكأن المشهد لا يعجبها حيث يذكرها بالأراجوز وصندوق الدنيا، وهو يلسعها بتعليقاته الساخرة حيث لا يأتي من وراءها إلا النكد والهم كما يقول والبنات يتضاحكن من طرف خفي حتى لا يغضبنها .

كان قد قطع عهدا على نفسه ألا يشرك إحداهن في شغل الوكالة، البنات للتعليم ثم للزواج، فقط كن يأتين ليأخذن حِسّ الوكالة ويباركن البضاعة الجديدة حيث كان يستبشر بهن خيرا ويعتبرهن سبب نعمته ولولاهن لما فتح الله عليه، ولا بأس من حفنة من ( أبو فروة ) حلاوة المكسب الذي سوف يتحقق خلال أيام على الأكثر .

لأول مرة رأيتها تبكي ولكن دون صوت، وسمعت أصوات بكاء النسوة الصاعدات على السلم، قابلتها على الباب، حملتني منهنهةً ولما دخلت غرفته تعثرت بمفرش المنضدة فسقطت على الأرض مسبحته السوداء ونظارته التي تحطم زجاجها أنزلتني لتلملم البقايا فارتمت على ركبتيها صارخةً: سيبتنا لمين يا آبا

هناك تعليقان (2):

  1. اشكر مرورك على احرفي المتواضعه وارجو ان يسعفني الوقت حتى انهل من نبعك

    دمت

    ردحذف

لا تجلسْ على العتباتِ
كالشحَّاذِ أو جابي
الضرائبِ
لا تكنْ شُرطيَّ سَيْرٍ في الشوارع
كن قويّاً ، ناصعَ الفولاذ ، واخلَعْ عنك أَقنعةَ
الثعالبِ
كُنْ فروسياً ، بهياً ، كاملَ الضرباتِ . قُلْ
ماشئْت .