الاثنين، 9 يوليو، 2012

في مديح الكراهية


الكراهية شعور سيء ولكنه ضروري . لا أعرف من هو قائل الجملة السابقة ربما هو شوبنهاور أو نيتشه أو أي من الفلاسفة العظام الذين رأوا في الحياة شرا خالصا وفي الناس غربانا ناعقة إلا قليلا منهم .
كنت أتعجب دائما – ومازلت – من الأشخاص الاجتماعيين كثيري الكلام، ولا أعرف من أين لهم الطاقة ولا المفردات التي يكملون بها أحاديثهم الطويلة ؟! . والبشر في الغالب – إن كنت لا تعلم عزيزي الساذج – حفنة من الأغبياء، طيبون دائما حتى تأتي اللحظة التي تتعارض فيها مصلحتك مع مصلحتهم الشخصية حتى لو كانت هذه المصلحة مكانا أقرب إلى شاشة التلفزيون وقت مباراة مهمة أو مكانا أكثر براحا في الميكروباص رغم توفر الأماكن الأخرى .

البشر بحكم العادة تافهون لا يلتفتون إلا إلى ما يريدون، يستقطعون حاجتهم بشراسة ولكن هذه ليست المشكلة، المشكلة أنهم يخرّون رُكّعا في وجه الخصم القوي، أيّ أن كفتيْ الميزان ليستا متعادلتين في التعامل مع الآخرين وتلك هي الدناءة بعينها .

كل الصخب الأجوف الذي يثيره مدربو التنمية البشرية الحمقى عن التنمية الذاتية والتفاؤل والصبر وحب الآخرين ومودة البتنجان يتلاشى إذا هُرِسوا في تدافع المواصلات أو إذا صفعهم أحد الأشقياء راكبي الموتسيكلات على أقفيتهم كما حدث مع عماد رشاد في فيلم إشارة مرور، ومن أهم أمنياتي أن أرى واحدا منهم في موقف كهذا لأرى ما سيفعل وبماذا سيفيده كلامه .
الناس يحبون المتعالين، يفضلون الشخص (التِنِك) الذي يعلي دائما من قدر نفسه ومن قدر مكانته الاجتماعية الوضيعة غالبا أو غير الحقيقية، كلما شعروا أنهم حقراء أمام محدثهم ازدادوا تعلقا به ولسان حالهم يقول: "نريد أن نكون أقوياء مثله" وتلك صورة أخرى من صور دناءة النفس .

إنظر حولك ومُرّ بعينيك ولاحظ ستجد أن المتساهلين مع الناس هم الحمقى، هم بلهاء القرية، ستجد أن المتفائلين هم الأكثر اكتئابا وإن كانوا لا يظهرون هذا، فلقد صدروا للآخرين صورة وردية، أظهروا أنهم سعداء دائما فلو حدث أي تغير في تلك الصورة – المصطنعة غالبا – لشمت الشامتون، فالمتفائلون أغبياء لأنهم يهتمون برأي الناس وبصورتهم أمام الآخرين . ومراءون فلا يستطيع أحد أن يضحك في وجه كل من يقابله وإلا تحول إلى مندوب مبيعات، يضحك في وجه كل الزبائن ليقنعهم بشراء سلعة لا منفعة منها ولا جدوى .

مصادر السعادة في حياة البشر قائمة دائما على اتعاس الآخرين، فما يحرك الإنسان هو سعيه الدائم خلف رغباته أو مصلحته بشكل أو بآخر، ما يشتهيه الإنسان ويحصل عليه ويغرق فيه ينتهي منه بعد فترة، وهو لا يعلم – لشدة غبائه – أنه قد دفع ثمن هذا الشيء مسبقا أو أثناء استمتاعه به وقد يكون الثمن أفدح وأكبر من هذا الشيء .

مثلا نجد لدى الإخوة المتلهفين على الزواج أنه يستمتع بامرأته عاما أو بضع أعوام – لو كان من عظيمي الشهوة - ثم ينتهي الأمر ويزهد في الجنس وفي زوجته وقد يطلقها، وهو لا يدري أنه قد دفع ثمن استمتاعه أولا:التكاليف المادية وهي الأهون والأخف، ثانيا:الصداع الناتج عن رغيها المستمر ومطالبها ومطالب الأبناء التي لا تنتهي، وثالثا:- وهذا هو الأهم -  فقدانه للذة الجنس ومتعته فقد حققه وانتهى منه وصار زاهدا فيه وتلك هي العقوبة الكبرى . أما عن جامعي المال فيظل الواحد منهم يهين نفسه بوسائل شتى ليضع الجنيه فوق أخيه ثم يموت ويرثه الوارثون وتلك عقوبة شنيعة أخرى وثمن فادح كما ترون .

الكراهية ليست شيئا جيدا كما قلت ولكنها ضرورية جدا، بها تعرف عيوبا كثيرة وترى ما لا يراه الآخرون، سترى الزيف في أفعال وأقوال الغالبية، ستكره السياسة، ستنعزل، ستكسبك العزلة رهافة وترى كل شيء من بعيد أوضح، ستكتشف نفسك بطريقة أكثر نقاءًا، ستعرف أن الحدس الشعبي والوجدان العام في مجتمعك ما هو إلا محض هراء، فما اتفق الناس على شيء إلا وصار هباءًا منثورا مستهلكا، تشتت بينهم جميعا ليس لك فيه شيء وليس لأحد فيه شيئ، الناس أغبياء يا عزيزي لا يعرفون إلا مصلحة أنفسهم، تغرقهم الرغبات في لجج مظلمة لا فكاك منها . ابتعد عن هراء العامة وغباءهم، فقط يمكنك أن تتحمل مسؤوليتك كمثقف أو حتى كإنسان حين تكشف للآخرين – ان استطعت – زيفهم وغباءهم بأي طريقة تريد .

هناك 4 تعليقات:

  1. نقاط كثيرة هنا وجيهة ولكن لاحظ أن الكراهية هي صورة من صور الاحتفاء بالذات أيضًا

    ردحذف
    الردود
    1. وإن لم نحتف بأنفسنا فمن يحتفِ بنا

      منورة يا صديقتي

      حذف
  2. إن نقص خبز أحدهم ينسيه كل ما تعانيه البشريه من ويلات وكوارث ... وينسيه أهله كمان ... !

    تدوينه متكلفه جداً تسلم ايدك ... وعايز استئذنك فى مقطع منها احطه ف الشريط الجانبى عندى ف المدونه مع الاشاره للمصدر طبعاً

    ( والبشر في الغالب – إن كنت لا تعلم عزيزي الساذج – حفنة من الأغبياء، طيبون دائما حتى تأتي اللحظة التي تتعارض فيها مصلحتك مع مصلحتهم الشخصية حتى لو كانت هذه المصلحة مكانا أقرب إلى شاشة التلفزيون وقت مباراة مهمة أو مكانا أكثر براحا في الميكروباص رغم توفر الأماكن الأخرى )

    ردحذف
  3. يا عرب البيت بيتك
    خش وشيل اللي يعجبك
    وده شرف ليا طبعا
    :)

    ردحذف

لا تجلسْ على العتباتِ
كالشحَّاذِ أو جابي
الضرائبِ
لا تكنْ شُرطيَّ سَيْرٍ في الشوارع
كن قويّاً ، ناصعَ الفولاذ ، واخلَعْ عنك أَقنعةَ
الثعالبِ
كُنْ فروسياً ، بهياً ، كاملَ الضرباتِ . قُلْ
ماشئْت .