الخميس، 5 يوليو، 2012

زبرجدة الخازباز !


إمتلأت بهم قاعة الفندق الضخمة الصاخبة حيث الكل يتكلم ، والجالسات كآلهة للفتنة نُحتنَ من طين مخلوط بماء الرغبة ، فاطمة بالبنطال الضيق القصير منحسر عن جزء من قدميها الضخمتين والبلوزة الوردية الشابونيز ، جومانا بسيجارتها البنية الرفيعة والفتنة المطلة منها كانها خلقت للرغبة فقط ، مرام ولينا والباقيات هالاتهن أقل وشهرتهم أقل كن يتحدثن عن أفضل المستحضرات لإزالة الشعر وهل تصلح لإزالة الشعر من المناطق الحساسة أم لا .

إلى الجوار يجلس جمال بسمْته الطيب  يستمع ويدخن ويبتسم لمحدثه ، يوسف ببدلته الصيفية ونظارته ذات الزجاج المضاعف يتكلم بعصبية ليقول هراءً كعادته كتابة وكلاما،يتحدث عن مشروع رواية جديدة سوف تُضاف لرصيده من الزفت الذي يسود الأوراق به، بهاء جالس في وقار والتعب ظاهر على وجهه يتحدث بصعوبة ممسكا عكازه يقبض عليه بشدة كلما تعثر في الكلام، نجم أعلاهم صوتا وأكثرهم بذاءةً يطلق السباب في كل الاتجاهات ويقول لأحدهم : إنت ازاي عمال تتكلم عن الغلابة وانت لابس ساعة بالفين دولار ايه التعريص ده ؟ وطبعا ما كان من الرجل – هو كاتب مغمور في الغالب – أن يمشي سريعا ليلملم شتات نفسه .

المهرجان السنوي يجمعهم ليقولوا مزيدا من الهراء مزيدا من التنظير الأجوف والحديث البارد عن مستقبل الأدب، والمكاسب جيدة بالنسبة للبعض وترضي الجميع، أكل جيد، خمور أجنبية، حوارات صحفية وتلفزيونية، تلك المكاسب يفضلها ذوو الطموح القليل والجائزة الكبرى هي جائزة المهرجان .

جذبت الحلقة النسوية الأدباء الكبار سائلي اللعاب، وقد أطلقوا عيونهم ورغباتهم مشتعلة، فانتحت فاطمة وجومانا ركنا غير بعيد ليتحدثا في أمور هامة وقالت جومانا أن الشاعرات هن أفضل من يقمن بالجنس الفموي لأنه مرتبط بطقس الإنشاد الشعري إلى جانب الخبرة الحياتية والمعرفة العميقة المستمدة من علم النفس والسكسولوجي، أيدتها فاطمة وتكلمت عن أفضل المرات وجومانا تنظر لها من طرف خفي بنظرة ملؤها الشبق، وقد أهاجت الحكايات مواجع فاطمة الشخصية وقالت بصوت خفيض " ربنا يقومك بالسلامة يا حلمي " !

 ترك نجم محدثه فجأة ونظر نحو النسوة المتوهجات هناك وقال بانفعال : النسوان دي واقفة بعيد ليه كده مش حجري أولى يا ابراهيم ؟ وبعدين المؤتمر ده المفروض يبقى اسمه الأدب بين النياكة والجري ليس خوفا ولكنه استعجال ! .. قال متحررات قال .. ثم نادى على فاطمة بصوت عالٍ قائلا : يا فاطمة .. ما تيجي يا بت تسلمي على عمو ! .
ذهبت إليه مهرولة تضحك سلمتْ عليه فطلب منها أن تنزل ليقبلها على وجنتها، تسائل بحميمية عن الزوج والأبناء ثم قرب فمه من أذنها وسأل بصوت خفيض : "وحلمي عامل ايه دلوقتي ؟ "  قالت: " حالته وحشة أوي يا نجم " .

جومانا تتفرس في أجساد النساء وأشاحت بوجهها عن نجم، تكرهه وتعتبره من ألد خصومها فهو يسيء لصورة المرأة بزيجاته الكثيرة وامتهانه لحقوقهن - وكأنه تزوجهن غصبا - الخمر أدارت رأسها فراحت تدور حول النساء ذوات الصدور الممتلئة وبرأسها تصور لقصيدة جديدة – رديئة غالبا – عن ثدي منحوت من مرمر مُطَعَّم بحبتي كرز شهيتين ولكنها لم تجد هذا الثدي حتى الآن ومازالت تبحث .

ونادى المنادي أن هلموا يا قوم فقد انتهت الاستراحة والجلسة الأخيرة من المؤتمر سوف تبدأ الآن وحانت اللحظة لاعلان الجوائز ،كانت النتائج معروفة سلفا ولكن من أتى وهو يعلم أنه لن يفوز جاء لأغراض ومكاسب أخرى أقلها مجرد التواجد في محفل مهم مثل هذا .
جلس حُزيِّن على المنصة بقبعة سوكارنو التي لن يتخلى عنها حتى يموت فهي تكسبه مظهرا مميزا فهو بدونها مجرد شخص عادي لن يتذكره أحد فيُذكر حزيِّن بالطاقية وتُذكر الطاقية بحزين، وشنب اللمبي يضفي عليه مهابة من نوع خاص كأنك ترى سمك القرموط لأول مرة فتهابه لغرابته ليس أكثر .

أخذ يتكلم ويتكلم ويتكلم ويتكلم ، الأعزاء الأفاضل ، ومستقبل الكتابة في أيديكم ، والعلاقة بين الشعر والنثر ، ومستحدثات الحداثة وما بعدها ، والضيوف الأعزاء والناس اللي مشرفانا وانا وانت والمعازيم واحد واحد ! ، وفي النهاية أعلن الجوائز وكانت جائزة الشعر هذه السنة للشاعر الكبير – سنا –  حسن طلب صفق الحضور واعتلى صاحبنا المنصة وبدأ يقول قصيدته الأشهر والتي يقول فيها :
ما لم يكنْ سيصحُّ صحَّ
ولم يكنْ سيجوزُ جاز
يبُسَ السحابُ
تبخرَ القاموسُ
كيف إذنْ سيحيا الأنقليسُ ؟
وكيف يُفلتُ من إسارِ المرمريسِ الخازباز ؟!
لابدّ من شئٍ لينجوَ من هلاكٍ مقبلٍ
هل يستعينُ بحسهِ الفطريِّ ؟
أم بخياله الحفازْ ؟!
هل يقتفى أثرَ الجنادبِ ؟
يهتدي بالقطربِ الليليِّ
أو نارِ الحباحبِ ؟
أم يكورُ نفسه - عكس الفراشةِ
كالعَكاشةِ
جاعلاً من قرن الاستشعارِ محورَ نَحبهِ الآتي
ومن نسجِ الرُتيلى حوله قطبَ ارتكازْ ؟!
لابد من شئٍ لهذا الكائنِ الرعويِّ
هل يتقمصُ الصحْراءَ كي تسعى لواحتهِ الجدايةُ ؟
أم يقلد رقصةَ اليعسوبِ ؟
يصرخُ كي يحسَّ بأنه مازال حيا ً
أو تحس به الدواجنُ ؟!
هل يصرِّح بالذي يخشاه من مأساتِه
أم يكتفي ببلاغةِ الإيعازْ ؟
أم هل يجردُ حملةً أخرى يكون شعارها:
تحريرُ عكا
يستحلُّ دمَ الذبيحِ وما أُهل به لغيرِ اللهِ
يشربُ بولَهُ كرهاً ويقتاتُ البرازْ ؟!
لابد من أيٍّ من الموتينِ :
موتِ العجزِ بين القادرينَ
وموتِ الاشمئزازْ
الخازابازُ يكاد من فزعٍ يموتُ
من القمحدرةِ اقشعرَّ
إلى الجعرى
واستبدّ به الحزازْ !!!

إستبد بالبعض الحقد والكراهية وامتلأت القاعة بدخان بشري فمبلغ الجائزة لا يستهان به إلى جانب أنها ستضاف للأرشيف وستحدث ضجة لا بأس بها لعام على الأقل، واستبد بالبعض الآخر الضحكُ خفاءً حتى لا يفسدوا وقارهم الأدبي، وضحكت فاطمة عندما تذكرت قصيدة لشاعر آخر تحوي كلمة ( يا زبرجدتي ) ولكن حدث خلل ما في التنسيق فانقسمتْ الكلمة إلى كلمتين أثارت ضحك الجميع وقتها وكلما سمعت كلمة زبرجد أو قرأتها تذكرت الموقف ! .

بعد انتهاء توزيع الجوائز التي ذهبت في غير مكانها كالعادة خرج الجميع ليستقبلوا المذيعين والمذيعات، وبعدما خلى يوسف إلى جمال وبهاء ونجم قال والحقد يقطر من كلماته : ايه القرف ده بتاع زبرجدة الخازباز ياخد وعيل قد بنتي يكسب جايزة الرواية واحنا منفضين كده ؟ .. نظر له نجم شزرا وقال : ما انت خدت جايزة (       ) الدورة اللي فاتت وانت لا بتكتب ولا بتهبب حاجة والناس كلها عارفة ان كتابتك زي الزفت .. اقعد في جنب بقى .

هدّأ جمال وبهاء الموقف المحتدم، يخشون من طول لسان نجم ويخشون على يوسف أن تدهمه أزمة قلبية إثر الانفعال فينتهي أمره، بهاء لم يكن مكترثا بالأمر كان سارحا في ذاته وخوفه من السفر ليلاً في رحلة العودة، وجمال قلقا على ميعاد الدواء .

خرج الفائزون متأخرين بطبيعة الحال ليتلقوا التهاني من الحضور، ذهب جمال مسندا يوسف وبهاء مستندا على أحد الكتاب الشباب ليهنئوا الفائزين، وجلس نجم على أريكة وثيرة لاعنا أبائهم وأمهاتِهم ، ناظرا بتفرس لفاطمة ولينا وجومانا نظرة الذئب العجوز النهم الذي لا يهمد أبدا، وانتهى به المطاف حيث أخرج سيجارة الحشيش من جيب جلبابه أشعلها واسترخى تماما ناظرا لهم من بين سحب الدخان، وعندما مرت إحدي مضيفات الفندق على مقربة منه وجه كلامه لها مداعبا بخشونة قائلا : أركب منزلش ! .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

لا تجلسْ على العتباتِ
كالشحَّاذِ أو جابي
الضرائبِ
لا تكنْ شُرطيَّ سَيْرٍ في الشوارع
كن قويّاً ، ناصعَ الفولاذ ، واخلَعْ عنك أَقنعةَ
الثعالبِ
كُنْ فروسياً ، بهياً ، كاملَ الضرباتِ . قُلْ
ماشئْت .