الأحد، 22 يوليو، 2012

الزيّطان



زاطَ يزيطُ زيطانا فهو زائطٌ وزيّاطٌ ومزياطٌ . وزاطَ في الشيءِ أيّ أكثر فيه الكلامَ واللتّ والعجنَ . وزاطَ مع الزائطينَ أيّ تكلمَ فيما لا يحسن ولا يعرف .
إعتبر أن ما فعلتُه في السطرين السابقين من قبيل النحت اللُغوي حيث طبقت قواعد الاشتقاق في اللغة العربية على كلمة عامية في الأساس وذلك لغرض كتابة ما يأتي .

والإنسان الزايط نوعان الأول:كداب الزفة لا جمل له ولا ناقة يزيط لأنه إمعة معدوم الشخصية يريد أن يتواجد في الصورة – أي صورة – وليست لديه القدرة ولا الخيال ليثير موضوعا ما أو يشعل قضية فيدخل وسط الجموع . والأمثلة هنا كثيرة تجد أبسطها في الأفراح حيث الراقصون بعنف ليظهروا في فيديو الفرح ليس إلا .
والنوع الثاني هو الزياط الخبيث المحنك الذي يعرف بالظبط ما يريده من إثارة قضية ما تخدم فكرته ومصالحه سريع البديهة يحول اتجاهاته بسرعة ويغير الدفة ليولي وجهه شطر القضية الرابحة التي تثير صخبا أعلى وقد يثير هو قضية زائفة من لا شيء، وهؤلاء هم الأخطر .

أبسط أشكال الزيطان في الجماعات الاجتماعية البسيطة ( جماعة الأصدقاء مثلا ) تجد صديقك الزائط هو الموافق على كل شيء وعلى أي اقتراح، لا يعترض أبدا ولا يوجه انتقادا لأي أحد، ويؤيد آراء الجميع حتى وإن كانت متناقضة - وهي غالبا كذلك- ، تجده تابعا مأمون الجانب يميل لمن يسيطرون على الجماعة ويميل للأقوياء بشكل عام، وهذا يثير الشفقة والسخرية أكثر ما يثير الحنق .

وفي الجماعات الأكبر قليلا ( الموظفون مثلا ) تجد الزائط حائرا زائغ العينين لا يجيد أداء عمله ولا يشغله أي شيء سوى الكلام، يدخل في أي موضوع مفتوح ليعرف الآراء ولا يقول رأيه أبدا – فليس لديه آراء من الأساس – يبرمج نفسه على " آه طبعا " " معقول ؟ " " يا عم مش للدرجة دي " " وانت ايه رأيك في حوار كذا ؟ " ويسأل أسئلة تافهة من قبيل الاستظراف أو ليستنطقك، يستمع إلى أكبر قدر ممكن ليدلو بدلوه وسط جماعة أخرى لا تعرف الجماعة الأولى، وهؤلاء يثيرون الاحساس بالبضيّنة والحنق إذا زادوا عن الحد، وهم تافهون في المجمل ومن الأفضل ألا تخاطبهم .

وهناك أيضا الزايط السلبي يمشى بمبدأ (خالفْ تُعَرَفْ)، يزيط في الموضوع المفتوح معترضا دون أدنى معرفة وهؤلاء فعلا يثيرون الحنق والغيظ وعلاجهم الوحيد هو التجاهل

ترتبط ظاهرة الزيطان طرديا مع حجم الجماعة، فكلما كبرت الجماعة كلما كان حجم الزيطان والهيصة أكبر، فلو فحصنا أغلب الأفكار والمعتقدات الشائعة في المجتمع لوجدناها معتقدات فاسدة ( كمعتقدات ليلة الدخلة والطب الشعبي والعلاج بالقرآن ومس الجن ) .

والمعتقدات السابقة لا ترتبط إطلاقا بمستوى التعليم أو الثقافة، فشخصية الزايط شخصية هيستيرية تتأثر بالإيحاء بسهولة ( ولي تجربة من هذا القبيل فقد كنت أعرف أكاديميا في كلية الأداب قسم الفلسفة ويؤمن بالزيبق الأحمر وقدرته على استدعاء الجن وكانت رسالة الدكتوراه التي كتبها في الفلسفة الاسلامية والتصوف ! ) .

وهناك جماعات تعتبر بيئة ممتازة لانتشار هذه الجراثيم كجماعات المثقفين مثلا، فهناك اعتقاد ضمني مفاده أنك لكي تكون مثقفا لا بد أن تسمع وجيه عزيز ومسار إجباري وبلاك تيما ومشروع ليلى وزياد رحباني، وتقرأ أمل دنقل ويحيي الطاهر وتسب الدين لأحمد خالد توفيق، وترفض الفلاسفة الكلاسيكين وتعبد نيتشه وتقرأ هكذا تحدث زرادشت وجدارية درويش يوميا، وإن نجحت رواية أو ديوان شعر لا بد أن تشتم الكتاب وصاحبه حتى وإن لم تقرأه .

وأيضا المثقفون يتقنون تكنيك – النقد بالتثاؤب ! – أو النقد المُعدي، فإن بدأ أول المتحدثين في ندوة ما تناقش كتابا ما وتكلّم عن السلبيات تجد جميع المتكلمين بعده يتكلمون عن سلبيات العمل وإن تكلم عن الايجابيات تكلموا عن الايجابيات كذلك .
( جرّب واذهبْ لندوة من هذا النوع وهتدعيلي ! )

ولقد أثبتت الملاحظة والتجربة أن الوجدان العام لأي جماعة ما هو إلا محض هراء، وأي شيء تتفق عليه جماعة ما بشكل يشبه الاعتقاد الديني هو حتما اعتقاد خاطيء، وكل من اعتنق فكرة جديدة ودافع عنها أُهينَ وأسيءَ فهمُه، فعلها جاليليو وأينشتين ونيوتن وتسلا ونجيب محفوظ وشوبنهاور وسقراط وغاندي ونصر حامد أبو زيد كثيرون فعلوها، وقفوا أمام مجتمعات غبية وشعوب جاهلة، وأوساط متعالية تهين من يعاديها ويضرب ثوابتها ومعتقداتها الفاسدة أصلا .

وإن أردت مضايقة الزايط واستفزازه فتجاهله تماما، فإن أصر فابدأ في ضرب ثوابته بحنكة وذكاء ووجه ضربات محكمة خشنة من تحت الحزام، فإما أن يصمت خوفا من المواجهة فقد فعل خيرا لنفسه ولك، أما لو زاد حماسه وقرر الدخول في نقاش فكن هادئا خشبيَ الوجه بارد الأعصاب فهو على حافة الانهيار، واستمر في توجيه ضرباتك بحكمة واقتدار وفي نهاية المطاف سوف ينفعل ويرغي ويزبد وقد يسبك ويسب الجالسين ثم في النهاية يقوم منصرفا، وبهذا فقد أراحك وهزم نفسه ! .

وهكذا يجب أن تعامل كافة الحشرات، اقتلها قبل أن تؤذيك . وقليلا قليلا سوف ينتهي الزيّاطون في محيطك وقد تؤدي خدمة جليلة للإنسانية جمعاء لو علمتهم أن يصمتوا للأبد

الثلاثاء، 17 يوليو، 2012

الألفي



صمتٌ ضبابيٌ يغلف الحجرة المليئة بالجالسين كأنهم في انتظار شيء ما، متحلقين حول جدتي الراقدة على السرير، لمحت بينهم خالاتي . وأنا واقف بين يدي أمي وفي الحجرة أيضا زوج خالتي التي أكرهها، أراها جالسة على السرير جوار جدتي كعادتها كأنها الابنة الوحيدة والباقون غرباء، تعليقاتها السخيفة وانفعالاتها المفتعلة تبعث فيّ كثيرا من اليأس والغيظ ولا أعرف إلى الآن كيف أدركت هذه المشاعر وأنا بعد في السادسة ولا كيف تذكرت هذا اليوم أصلا .

جالسين حزانى مكمدي الوجوه؛ قالتْ لي أمي:
"خش سلم على جدك كان عايز يشوفك"
"هو جدو ماله يا ماما "
"نايم جوه تعبان "
دفعتُ الباب برفق شعرت برهبة لمّا رأيت الظلام جاثما على الغرفة كلها كأنها مطلية بالكحلي، حتى الشُّباك لا يبعث أقلَّ بصيص، خِفْتُ من هذا الظلام الثقيل، خفت أن أدخل ولم ينادني جدي الذي كان يتلمس خطايَ ويعرف بقدومي من الشارع ويناديني من الشباك لكي أسرع في الصعود .
عدت إليهم وارتميت على ركبتيّ أمي سألتني:"ليه مسلمتش على جدك"
قلت:"انا خفت أحسن يعديني"
هوتْ صفعة مفاجئة علىّ، خافتْ أمي أن يقول السفهاء أنها لقنتني الكلام أو أنني سمعته منها أو من أبي أو لأنها كانتْ تعبد أباها، صاح البعض أن:لا حرام هو ولد صغير لا يدرك ولا يقصد، صيحة خالتي العالية الرفيعة:"سيبيه يا وفاء ميقصدش" استفزتني أكثر من الصفعة ذاتها وددت أن أقوم برد فعل ما ولكنني لم أستطع كنت أبكي بحرقة ولم أكن أُحْسِنُ الغضب .

صحوتُ على حركة غير عادية في البيت، سمعت صوت أبي وتعجبت من كونه صاحيا في السادسة صباحا على غير العادة يتهامس مع شخص ما في الصالة، دخل علينا ابن خالتي ( ما الذي أتى به هذه الساعة ؟) مبتسما واقترب من أمي وهو يوقظها، رفعتْ الغطاء عن وجهها وقالتْ بطريقة السائل العارف بالاجابة – كان قد جاءها في الحلم وأخبرها أنه راضٍ عنها - : "جدك مات يا ساهر ؟"
كان ينزل من الحنطور الخصوصي أسطوريا مهيبا، بجسده المكتنز القوي، يفضل الجلباب الصوف واللاسة والعمامة شتاء ويكتفي بالجلابيب فاتحة اللون القطنية والطاقية صيفا، نظارته التي تُكَبّرُ عينيه الزرقاوين، وعصاه المنقوشة، والخاتم ذو الفص الفيروزي، ولكنته الفلاحية الدافئة .

بالنسبة للبنات كان أكثر من أب، فهو المَعَلِم كليُّ القدرة العارفُ بكل شيء، جعل من وكالة سوق الجملة بستانا للحكايات واللعب، يحكي ويمرر الوقت كي لا تمل البنات في ليل الشتاء والعائلة جميعا تنتظر بضاعة جديدة سوف تأتي قبل الفجر بقليل ليفرغها العمال .
يظل جالسا يحكي أساطير النداهة والعفاريت التي تظهر على شاطيء الترعة في ( كفر الأبحر)، وأمامه خمس بنات منبهرات أفواههن مفتوحة يخرج منها بخار الماء على ضوء الكلوب وأمهن حادة الطباع جالسة تمصمص شفتيها وتتصعب وكأن المشهد لا يعجبها حيث يذكرها بالأراجوز وصندوق الدنيا، وهو يلسعها بتعليقاته الساخرة حيث لا يأتي من وراءها إلا النكد والهم كما يقول والبنات يتضاحكن من طرف خفي حتى لا يغضبنها .

كان قد قطع عهدا على نفسه ألا يشرك إحداهن في شغل الوكالة، البنات للتعليم ثم للزواج، فقط كن يأتين ليأخذن حِسّ الوكالة ويباركن البضاعة الجديدة حيث كان يستبشر بهن خيرا ويعتبرهن سبب نعمته ولولاهن لما فتح الله عليه، ولا بأس من حفنة من ( أبو فروة ) حلاوة المكسب الذي سوف يتحقق خلال أيام على الأكثر .

لأول مرة رأيتها تبكي ولكن دون صوت، وسمعت أصوات بكاء النسوة الصاعدات على السلم، قابلتها على الباب، حملتني منهنهةً ولما دخلت غرفته تعثرت بمفرش المنضدة فسقطت على الأرض مسبحته السوداء ونظارته التي تحطم زجاجها أنزلتني لتلملم البقايا فارتمت على ركبتيها صارخةً: سيبتنا لمين يا آبا

الخميس، 12 يوليو، 2012

حلم




( إِنْ كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ )

لم أحلمْ منذ زمن أو بالأحرى أنسى أحلامي لكنَّ هذه الرؤيا كانت ساطعةً كأنها حفر على خشب .

في شارعنا المظلم من كل شيء إلا من أضواء المحل الجديد الساطعة تحت البناية التي أسكن فيها قابلته كما هو قصير أسمر مازال جسده قويا رغم ترهلات البطن وسواد الأسنان من أثر المعسل، جذبت ذراعه من الخلف برفق ابتسم وسلم عليّ ضاحكا شعرت بإحساس الولد الذي قابل أباه بعد مرور أعوام. مشى جواري سريعا وكأنه مهموم بأمر ما قال بسرعة وتعجل ونظرة أسى تطل من عينيه : "أنا رايح أنام عند بنتي" فهمت أنها مريضة قلتُ:"مش هتعرف تروح دلوقتي الوقت متأخر تعالى نام عندي واهو اقعد معاك شوية انت واحشني"

صعدنا على السلم إضاءته الضبابية أوحت لي بشيء ما، حسِبت أن أمي ستتضايق أنني أحضرت غرباء إلى البيت، دخلنا والمفاجأة أنني وجدت أختي عندنا، كلّمتهُ وليس بينها وبينه حجاب تعجبت فالرجل غريب . سألتْه عن الأحوال والصحة وأنا صامت متعجب وأمي تنظر إلينا من داخل غرفتها، دخلتُ معه غرفتي فإذا به يسرع ناحية السرير كأنه مرهق، ربط وجهه بـ ( شاش ) ظننت أنه يخشى المخدة الغريبة أو لكي لا يتعب النور عينيه، جاءت أختي لتطمئن عليه فوجدته نائما، نظرنا إليه فكأنه أبونا الذي رحل منذ أعوام  .

فجأة وجدتني جالسا في قاعة دراسة أقرب لقاعات السكاشن وجواري امرأة بدينة نوعا وأمامي جمهور من المراهقين، المرأة تتكلم عني غالبا بكلام يبدو أنه جيد، انشرح صدري وفرحت وتحولت إلى طائر يرفرف في سماء القاعة وكلما صفق الجمهور طرت فوق رؤوسهم وهم ينظرون إلىّ ويضحكون ضحكة رضا وانشراح، انصرف الجمهور فوجدتني جالسا جوار تلك السيدة البدينة التي لم أتبين ملامحها، غمرني إحساس غامض ، بجوارها كرتونة تشبه كرتونة الأحذية بها كتابان الأعلى أصغر حجما وكأنه مصحف والثاني أكبر قطعًا وكان الكتاب كتابا لي قالت : خد نسختك – تقصد الكتاب الكبير الذي يخصني - قلت لأ هاخد نسختي من (      ) صديقي الأقرب، واتجهت نحو الباب فرحا وسمعت صوتا يأتي من مكان مجهول حتى أنني لم أتبين الرقم جيدا – أم هو صوت المرأة – ينبهني أنني فزت بجائزة قدرها 430 أو 480 ألف دولار .

الاثنين، 9 يوليو، 2012

في مديح الكراهية


الكراهية شعور سيء ولكنه ضروري . لا أعرف من هو قائل الجملة السابقة ربما هو شوبنهاور أو نيتشه أو أي من الفلاسفة العظام الذين رأوا في الحياة شرا خالصا وفي الناس غربانا ناعقة إلا قليلا منهم .
كنت أتعجب دائما – ومازلت – من الأشخاص الاجتماعيين كثيري الكلام، ولا أعرف من أين لهم الطاقة ولا المفردات التي يكملون بها أحاديثهم الطويلة ؟! . والبشر في الغالب – إن كنت لا تعلم عزيزي الساذج – حفنة من الأغبياء، طيبون دائما حتى تأتي اللحظة التي تتعارض فيها مصلحتك مع مصلحتهم الشخصية حتى لو كانت هذه المصلحة مكانا أقرب إلى شاشة التلفزيون وقت مباراة مهمة أو مكانا أكثر براحا في الميكروباص رغم توفر الأماكن الأخرى .

البشر بحكم العادة تافهون لا يلتفتون إلا إلى ما يريدون، يستقطعون حاجتهم بشراسة ولكن هذه ليست المشكلة، المشكلة أنهم يخرّون رُكّعا في وجه الخصم القوي، أيّ أن كفتيْ الميزان ليستا متعادلتين في التعامل مع الآخرين وتلك هي الدناءة بعينها .

كل الصخب الأجوف الذي يثيره مدربو التنمية البشرية الحمقى عن التنمية الذاتية والتفاؤل والصبر وحب الآخرين ومودة البتنجان يتلاشى إذا هُرِسوا في تدافع المواصلات أو إذا صفعهم أحد الأشقياء راكبي الموتسيكلات على أقفيتهم كما حدث مع عماد رشاد في فيلم إشارة مرور، ومن أهم أمنياتي أن أرى واحدا منهم في موقف كهذا لأرى ما سيفعل وبماذا سيفيده كلامه .
الناس يحبون المتعالين، يفضلون الشخص (التِنِك) الذي يعلي دائما من قدر نفسه ومن قدر مكانته الاجتماعية الوضيعة غالبا أو غير الحقيقية، كلما شعروا أنهم حقراء أمام محدثهم ازدادوا تعلقا به ولسان حالهم يقول: "نريد أن نكون أقوياء مثله" وتلك صورة أخرى من صور دناءة النفس .

إنظر حولك ومُرّ بعينيك ولاحظ ستجد أن المتساهلين مع الناس هم الحمقى، هم بلهاء القرية، ستجد أن المتفائلين هم الأكثر اكتئابا وإن كانوا لا يظهرون هذا، فلقد صدروا للآخرين صورة وردية، أظهروا أنهم سعداء دائما فلو حدث أي تغير في تلك الصورة – المصطنعة غالبا – لشمت الشامتون، فالمتفائلون أغبياء لأنهم يهتمون برأي الناس وبصورتهم أمام الآخرين . ومراءون فلا يستطيع أحد أن يضحك في وجه كل من يقابله وإلا تحول إلى مندوب مبيعات، يضحك في وجه كل الزبائن ليقنعهم بشراء سلعة لا منفعة منها ولا جدوى .

مصادر السعادة في حياة البشر قائمة دائما على اتعاس الآخرين، فما يحرك الإنسان هو سعيه الدائم خلف رغباته أو مصلحته بشكل أو بآخر، ما يشتهيه الإنسان ويحصل عليه ويغرق فيه ينتهي منه بعد فترة، وهو لا يعلم – لشدة غبائه – أنه قد دفع ثمن هذا الشيء مسبقا أو أثناء استمتاعه به وقد يكون الثمن أفدح وأكبر من هذا الشيء .

مثلا نجد لدى الإخوة المتلهفين على الزواج أنه يستمتع بامرأته عاما أو بضع أعوام – لو كان من عظيمي الشهوة - ثم ينتهي الأمر ويزهد في الجنس وفي زوجته وقد يطلقها، وهو لا يدري أنه قد دفع ثمن استمتاعه أولا:التكاليف المادية وهي الأهون والأخف، ثانيا:الصداع الناتج عن رغيها المستمر ومطالبها ومطالب الأبناء التي لا تنتهي، وثالثا:- وهذا هو الأهم -  فقدانه للذة الجنس ومتعته فقد حققه وانتهى منه وصار زاهدا فيه وتلك هي العقوبة الكبرى . أما عن جامعي المال فيظل الواحد منهم يهين نفسه بوسائل شتى ليضع الجنيه فوق أخيه ثم يموت ويرثه الوارثون وتلك عقوبة شنيعة أخرى وثمن فادح كما ترون .

الكراهية ليست شيئا جيدا كما قلت ولكنها ضرورية جدا، بها تعرف عيوبا كثيرة وترى ما لا يراه الآخرون، سترى الزيف في أفعال وأقوال الغالبية، ستكره السياسة، ستنعزل، ستكسبك العزلة رهافة وترى كل شيء من بعيد أوضح، ستكتشف نفسك بطريقة أكثر نقاءًا، ستعرف أن الحدس الشعبي والوجدان العام في مجتمعك ما هو إلا محض هراء، فما اتفق الناس على شيء إلا وصار هباءًا منثورا مستهلكا، تشتت بينهم جميعا ليس لك فيه شيء وليس لأحد فيه شيئ، الناس أغبياء يا عزيزي لا يعرفون إلا مصلحة أنفسهم، تغرقهم الرغبات في لجج مظلمة لا فكاك منها . ابتعد عن هراء العامة وغباءهم، فقط يمكنك أن تتحمل مسؤوليتك كمثقف أو حتى كإنسان حين تكشف للآخرين – ان استطعت – زيفهم وغباءهم بأي طريقة تريد .

الخميس، 5 يوليو، 2012

زبرجدة الخازباز !


إمتلأت بهم قاعة الفندق الضخمة الصاخبة حيث الكل يتكلم ، والجالسات كآلهة للفتنة نُحتنَ من طين مخلوط بماء الرغبة ، فاطمة بالبنطال الضيق القصير منحسر عن جزء من قدميها الضخمتين والبلوزة الوردية الشابونيز ، جومانا بسيجارتها البنية الرفيعة والفتنة المطلة منها كانها خلقت للرغبة فقط ، مرام ولينا والباقيات هالاتهن أقل وشهرتهم أقل كن يتحدثن عن أفضل المستحضرات لإزالة الشعر وهل تصلح لإزالة الشعر من المناطق الحساسة أم لا .

إلى الجوار يجلس جمال بسمْته الطيب  يستمع ويدخن ويبتسم لمحدثه ، يوسف ببدلته الصيفية ونظارته ذات الزجاج المضاعف يتكلم بعصبية ليقول هراءً كعادته كتابة وكلاما،يتحدث عن مشروع رواية جديدة سوف تُضاف لرصيده من الزفت الذي يسود الأوراق به، بهاء جالس في وقار والتعب ظاهر على وجهه يتحدث بصعوبة ممسكا عكازه يقبض عليه بشدة كلما تعثر في الكلام، نجم أعلاهم صوتا وأكثرهم بذاءةً يطلق السباب في كل الاتجاهات ويقول لأحدهم : إنت ازاي عمال تتكلم عن الغلابة وانت لابس ساعة بالفين دولار ايه التعريص ده ؟ وطبعا ما كان من الرجل – هو كاتب مغمور في الغالب – أن يمشي سريعا ليلملم شتات نفسه .

المهرجان السنوي يجمعهم ليقولوا مزيدا من الهراء مزيدا من التنظير الأجوف والحديث البارد عن مستقبل الأدب، والمكاسب جيدة بالنسبة للبعض وترضي الجميع، أكل جيد، خمور أجنبية، حوارات صحفية وتلفزيونية، تلك المكاسب يفضلها ذوو الطموح القليل والجائزة الكبرى هي جائزة المهرجان .

جذبت الحلقة النسوية الأدباء الكبار سائلي اللعاب، وقد أطلقوا عيونهم ورغباتهم مشتعلة، فانتحت فاطمة وجومانا ركنا غير بعيد ليتحدثا في أمور هامة وقالت جومانا أن الشاعرات هن أفضل من يقمن بالجنس الفموي لأنه مرتبط بطقس الإنشاد الشعري إلى جانب الخبرة الحياتية والمعرفة العميقة المستمدة من علم النفس والسكسولوجي، أيدتها فاطمة وتكلمت عن أفضل المرات وجومانا تنظر لها من طرف خفي بنظرة ملؤها الشبق، وقد أهاجت الحكايات مواجع فاطمة الشخصية وقالت بصوت خفيض " ربنا يقومك بالسلامة يا حلمي " !

 ترك نجم محدثه فجأة ونظر نحو النسوة المتوهجات هناك وقال بانفعال : النسوان دي واقفة بعيد ليه كده مش حجري أولى يا ابراهيم ؟ وبعدين المؤتمر ده المفروض يبقى اسمه الأدب بين النياكة والجري ليس خوفا ولكنه استعجال ! .. قال متحررات قال .. ثم نادى على فاطمة بصوت عالٍ قائلا : يا فاطمة .. ما تيجي يا بت تسلمي على عمو ! .
ذهبت إليه مهرولة تضحك سلمتْ عليه فطلب منها أن تنزل ليقبلها على وجنتها، تسائل بحميمية عن الزوج والأبناء ثم قرب فمه من أذنها وسأل بصوت خفيض : "وحلمي عامل ايه دلوقتي ؟ "  قالت: " حالته وحشة أوي يا نجم " .

جومانا تتفرس في أجساد النساء وأشاحت بوجهها عن نجم، تكرهه وتعتبره من ألد خصومها فهو يسيء لصورة المرأة بزيجاته الكثيرة وامتهانه لحقوقهن - وكأنه تزوجهن غصبا - الخمر أدارت رأسها فراحت تدور حول النساء ذوات الصدور الممتلئة وبرأسها تصور لقصيدة جديدة – رديئة غالبا – عن ثدي منحوت من مرمر مُطَعَّم بحبتي كرز شهيتين ولكنها لم تجد هذا الثدي حتى الآن ومازالت تبحث .

ونادى المنادي أن هلموا يا قوم فقد انتهت الاستراحة والجلسة الأخيرة من المؤتمر سوف تبدأ الآن وحانت اللحظة لاعلان الجوائز ،كانت النتائج معروفة سلفا ولكن من أتى وهو يعلم أنه لن يفوز جاء لأغراض ومكاسب أخرى أقلها مجرد التواجد في محفل مهم مثل هذا .
جلس حُزيِّن على المنصة بقبعة سوكارنو التي لن يتخلى عنها حتى يموت فهي تكسبه مظهرا مميزا فهو بدونها مجرد شخص عادي لن يتذكره أحد فيُذكر حزيِّن بالطاقية وتُذكر الطاقية بحزين، وشنب اللمبي يضفي عليه مهابة من نوع خاص كأنك ترى سمك القرموط لأول مرة فتهابه لغرابته ليس أكثر .

أخذ يتكلم ويتكلم ويتكلم ويتكلم ، الأعزاء الأفاضل ، ومستقبل الكتابة في أيديكم ، والعلاقة بين الشعر والنثر ، ومستحدثات الحداثة وما بعدها ، والضيوف الأعزاء والناس اللي مشرفانا وانا وانت والمعازيم واحد واحد ! ، وفي النهاية أعلن الجوائز وكانت جائزة الشعر هذه السنة للشاعر الكبير – سنا –  حسن طلب صفق الحضور واعتلى صاحبنا المنصة وبدأ يقول قصيدته الأشهر والتي يقول فيها :
ما لم يكنْ سيصحُّ صحَّ
ولم يكنْ سيجوزُ جاز
يبُسَ السحابُ
تبخرَ القاموسُ
كيف إذنْ سيحيا الأنقليسُ ؟
وكيف يُفلتُ من إسارِ المرمريسِ الخازباز ؟!
لابدّ من شئٍ لينجوَ من هلاكٍ مقبلٍ
هل يستعينُ بحسهِ الفطريِّ ؟
أم بخياله الحفازْ ؟!
هل يقتفى أثرَ الجنادبِ ؟
يهتدي بالقطربِ الليليِّ
أو نارِ الحباحبِ ؟
أم يكورُ نفسه - عكس الفراشةِ
كالعَكاشةِ
جاعلاً من قرن الاستشعارِ محورَ نَحبهِ الآتي
ومن نسجِ الرُتيلى حوله قطبَ ارتكازْ ؟!
لابد من شئٍ لهذا الكائنِ الرعويِّ
هل يتقمصُ الصحْراءَ كي تسعى لواحتهِ الجدايةُ ؟
أم يقلد رقصةَ اليعسوبِ ؟
يصرخُ كي يحسَّ بأنه مازال حيا ً
أو تحس به الدواجنُ ؟!
هل يصرِّح بالذي يخشاه من مأساتِه
أم يكتفي ببلاغةِ الإيعازْ ؟
أم هل يجردُ حملةً أخرى يكون شعارها:
تحريرُ عكا
يستحلُّ دمَ الذبيحِ وما أُهل به لغيرِ اللهِ
يشربُ بولَهُ كرهاً ويقتاتُ البرازْ ؟!
لابد من أيٍّ من الموتينِ :
موتِ العجزِ بين القادرينَ
وموتِ الاشمئزازْ
الخازابازُ يكاد من فزعٍ يموتُ
من القمحدرةِ اقشعرَّ
إلى الجعرى
واستبدّ به الحزازْ !!!

إستبد بالبعض الحقد والكراهية وامتلأت القاعة بدخان بشري فمبلغ الجائزة لا يستهان به إلى جانب أنها ستضاف للأرشيف وستحدث ضجة لا بأس بها لعام على الأقل، واستبد بالبعض الآخر الضحكُ خفاءً حتى لا يفسدوا وقارهم الأدبي، وضحكت فاطمة عندما تذكرت قصيدة لشاعر آخر تحوي كلمة ( يا زبرجدتي ) ولكن حدث خلل ما في التنسيق فانقسمتْ الكلمة إلى كلمتين أثارت ضحك الجميع وقتها وكلما سمعت كلمة زبرجد أو قرأتها تذكرت الموقف ! .

بعد انتهاء توزيع الجوائز التي ذهبت في غير مكانها كالعادة خرج الجميع ليستقبلوا المذيعين والمذيعات، وبعدما خلى يوسف إلى جمال وبهاء ونجم قال والحقد يقطر من كلماته : ايه القرف ده بتاع زبرجدة الخازباز ياخد وعيل قد بنتي يكسب جايزة الرواية واحنا منفضين كده ؟ .. نظر له نجم شزرا وقال : ما انت خدت جايزة (       ) الدورة اللي فاتت وانت لا بتكتب ولا بتهبب حاجة والناس كلها عارفة ان كتابتك زي الزفت .. اقعد في جنب بقى .

هدّأ جمال وبهاء الموقف المحتدم، يخشون من طول لسان نجم ويخشون على يوسف أن تدهمه أزمة قلبية إثر الانفعال فينتهي أمره، بهاء لم يكن مكترثا بالأمر كان سارحا في ذاته وخوفه من السفر ليلاً في رحلة العودة، وجمال قلقا على ميعاد الدواء .

خرج الفائزون متأخرين بطبيعة الحال ليتلقوا التهاني من الحضور، ذهب جمال مسندا يوسف وبهاء مستندا على أحد الكتاب الشباب ليهنئوا الفائزين، وجلس نجم على أريكة وثيرة لاعنا أبائهم وأمهاتِهم ، ناظرا بتفرس لفاطمة ولينا وجومانا نظرة الذئب العجوز النهم الذي لا يهمد أبدا، وانتهى به المطاف حيث أخرج سيجارة الحشيش من جيب جلبابه أشعلها واسترخى تماما ناظرا لهم من بين سحب الدخان، وعندما مرت إحدي مضيفات الفندق على مقربة منه وجه كلامه لها مداعبا بخشونة قائلا : أركب منزلش ! .