الأربعاء، 9 مايو، 2012

كارمن ودنيا

أرجو ألا تظنوا بي الظنون وقد يقول البعض أنني تركت ما كنت أفعله في هذه المدونة منذ بدأت وأنني متجه إلى التفاهة من أوسع أبوابها ! ، أقول بكل وضوح لم أكن أنتوي الهيافة كل ما في الأمر أنني في رحلة بحثي الدائمة عن أي شيءٍ جديد جيد عثرت صدفة على صوتين من أروع ما يكون ، وتتبعت الأمر فعرفتُ أنهما كانتا في برنامج تلفزيوني اسمه Arab Idol ومن الواضح أنه النسخة الأجنبية من American Idol وطبعا لم أكن أعلم أي شيء لأنني لا أشاهد التلفاز منذ عام ونصف تقريبا ! .

المهم .. في المقام الأول أعجبني صوت كارمن المخملي الناعم المستقر تماما ، وصوت دنيا المواجه المطواع وهي السمة المميزة لأغلب مطربي المغرب العربي وكل عشاق ذكرى رحمها الله يعرفون ما أريد قوله، إلى جانب حضور الفتاتين فلكل منهما شخصية مختلفة تماما ومع ذلك هما جذابتان جدا .

على كل حال لن أطيل الكلام فلتسمعوا الأغنيتين بأصوات الرائعتين كارمن سليمان ودنيا بطمة .

الخميس، 3 مايو، 2012

فاروق جويدة والعَــك الشعري


لا أكون مبالغا حين أقول أن قصائد هذا الرجل من أسوء ما قرأت من شعر على الاطلاق ! هذا الرجل الذي قُدِّم لنا ونحن بعد صغار أنه الشاعر المصري الأكبر رغم وجود شعراء عديدين من أجيال متفاوتة أهم منه بمراحل وهم أسماء معروفة كذلك ،ولكنهم أقل كثافة على مستوى الظهور الإعلامي ،وربما كان سبب شهرته أن شعره مسطح أقرب للذوق الشعبي واستخدامه للهفهفة المصطنعة أقرب لذوق المراهقين وطلبة الجامعة .

كانت تجربتي معه من البداية عندما قررت أن أخرج من قراءاتي لنزار قباني لأجد أن الاسم المفضل لدى المصريين هو فاروق جويدة فاشتريتُ خمسة دواوين دفعة واحدة وقرأتها كاملة في غضون يومين ولم أجد لديه ما أحتاجه ولم يعجبني شعره .. وقتها لم أدرك السبب ثم عدتُ لقراءته بعد أعوام لأتعامل معه من منظور مختلف بعين ناقدة وذائقة صقلتها القراءات لشعراء كُثُر ،وقرأت أعماله الكاملة تقريبا – كان ذلك منذ أربعة أعوام - لا لشيء إلا للوقوف على التجربة كاملة .

وقد اخترتُ ملمحين أساسيين لأكتب عنهما في المدونة ،وأعتذر لو كان البوست مطولاً بعض الشيء ولكن ما كتبته ما هو إلا شذرات قليلة ،وأيضا مع عدم اعتذاري لمحبيه وله شخصيًا .

1-    ركاكة الصياغة
أي شاعر لابد أن يحقق قدرًا من امتلاك الأدوات ،وتلك الأدوات أهمها اللغة .. ولا أقصد بالتمكن اللغوي معرفة أصول النحو والإعراب فأي طالب يعرف هذا ولكن امتلاك الشاعر ناصية اللغة هو تمكُّنه من صياغة ما يريد قوله بشكل جيد يتفق مع إحساسه ورؤيته .
فالصياغة اللغوية هي المؤشر الأول على قوة ومدى موهبة الشاعر ، فالمعنى مهما كان بارعا وجديدا لابد أن يُصاغ في شكل يخدمهُ وإلا كأن لم يكن ، وكم من معانٍ عميقة جديدة أفسدها سوء الصياغة .
والآن دعونا نرَ بعضًا من ركاكته التي أبدع فيها !

نجده يقول في ديوان ( حبيبتي لا ترحلي ) 1979 : وبالمناسبة عنوان الديوان كارثة !
لا شيءَ فيكِ مدينتي غير الزحامْ
أحياؤنا سكنوا المقابرَ قبل أن يأتي الرحيلْ
هربوا إلى الموتى أرادوا الصمتَ في دنيا الكلامْ !
ركيكة جدا تلك الجملة ( في دنيا الكلام ) فقد ذكرتني بالعبارات المكتوبة على التكاتك والميكروباصات من نوعية ( سلام يا بلد الكلام ) مثلا أو ( أبو حسام زهق من كتر الكلام ) فقد أتى بها لضرورة القافية لا أكثر ولا أقل.
وأيضا من نفس الديوان في قصيدة ( بالرغم منا قد نضيع )
والكل يجلس فوق جسمِ جريمةٍ
هي نزعة الأخلاق في الإنسانِ
لقد أراد أن يعبَّر عن جنون المدينة وصخبها وأن الجميع مشتركون في جريمة تضييع روح الإنسانية ،فقال أن جسم الجريمة هو نزعة الأخلاق وليس نزع الأخلاق وشتانَ بين المعنيين ! .  

ويبدو أن الرجل موهوب في صياغة الركاكة دؤوب في صنعها ، فنراه يقول في ديوان ( لأني أحبك ) : وأيضا عنوان هذا الديوان كارثة أخرى !
تمنيت سوقا يبيع السنينْ
أبدل قلبي وعمري لديهِ
وألقاك يوما
بقلبٍ جديدْ
تمنيتُ
لو عاد نهرُ الحياةِ
يكسِّرُ فينا
تلالَ الجليدْ
تمنيت قلبا
قويا جسورا
يجيء اليك
بحلم عنيدْ
ولكن قلبي
ما عاد قلبي
تغرب عنك
تغرب عني
وما عاد يعرف ماذا يريدْ
الرجل يريد قلبا قويا جسورا لا بأس ولكن المشكلة تكمن في الحلم العنيد الذي يريده ، ويتمنى أيضا أن يعود نهر الحياة ليكسر تلال الجليد !
يالله ! إنه عاشق متهور حقا ،ولقد أورده تهوره المهالك .. فتبا لك يا حب ! .

وفي ديوان ( شيء سيبقى بيننا ) نراه يقول بكل الحزن :
وكم كنت أهرب كي لا أراك
فألقاك نبضـا سري في دمايا
فكيف النجوم هوت في التراب
وكيف العبير غدا.. كالشظايا ؟
عيونك كانت لعمري صلاة..
فكيف الصلاة غدت .. كالخطايا ؟
لماذا أراك وملء عيوني دموع الوداعْ ؟
لماذا أراك وقد صرت شيئـا
بعيدا.. بعيدا.. تواري.. وضاعْ ؟
تطوفين في العمر مثل الشعاعْ
أحسـك نبضا
وألقاك دفئـا
وأشعر بعدك.. أني الضياعْ

أتمنى أن يُضاف نوع جديد من التشبيهات إلى علوم الأدب والبلاغة وليسمى ( تشبيهات مستهلكة ) ويوضع فيه مثل هذه التشبيهات من طراز ( العبير غدا كالشظايا ) ( أشعر بعدك أني الضياع ) .
وأيضا يذكرنا فاروق جويدة أن الشيء عندما يكون بعيدا بعيدا فهو يتوارى كذلك وقد يضيع أيضا ،ويتحفنا بالاستفهام البديع ( وكيف النجوم هوت في التراب ؟ ) إلى جانب الخطأ القاتل في كلمة ( دمايا ) التي اقتربت من روح الأغنية والكلام العامي وهي ليست من الفصحى في شيء .

وفي ديوان / قصيدة ( أعاتب فيكِ عمري ) المنشورة سنة 2000 مازال الرجل يجتر أحلام المراهقة والحب المعذب وهو يقارب الستين بكلام قد يكتبه شاعر نصف موهوب في العشرين دونما جهد ،وأجده شبيها لما يكتب على الأدراج في الفصول وعلى جدران حمامات المدارس من نوعية ( ان كان العمر يقاس بالسعادة فاكتبوا على قبري مات قبل أن يولد ) فيقول :
بعدى وبعدك ليس فى امكانى فأنا اموت اذا ابتعدت ثوانى
( أشبه بأغاني إيهاب توفيق في التسعينات )
وانا رماد حائر فى صمته فاذا رجعت يعود كالبركان
وانا زمان ضائع فى حزنه فاذا ابتسمت يرى الوجود اغانى
وانا غمام هائم فى سره وسحابة كـفّتْ عن الدوران
( لم أعرف أن السحاب يدور من قبل )
وأنا نهار ضللته نجومـه صبح وليل كــيف يجتمعان
( بالمناسبة لم يأتِ على ذكر هذا النهار أو هذا الليل قبل الآن فتلك بداية القصيدة ، فأين هو النهار وأين هو الليل ؟!)
وانا امام الناس لحن صاخب وامام حزنى اشتكى واعانى
يا سلام !
وأيضا يقول بلا خجل في نفس القصيدة :
عمرى وعمرك قصة منقوشة فوق القلوب بأجمل الألوان
كم عشت قبلك الف حلم زائف كم كبلتنى بالخداع أمانى
وكذلك :
عمر توارى عانقته دموعنا عبرت عليه مواكب الأحزان
تبقــين سرا فى الحياة وفرحـة أسكنتها قلبى ودفء حنانى
أبقيت فى صمت الخريف سحابة كم عطرت بأريجها وجدانى

فلم أعرف قبل أن يكتب هذه القصيدة أن سحب الخريف لها أريج ،ومن يعرف منكم ما هو دفء الحنان الذي تُخَّبيء فيه الفرحة فليخبرني ،وطبعا الركاكة واضحة في مواكب الاحزان التي تعبر على الدموع التي عانقت العمر الذي مضى !!! .

2-    فقر الخيال :
لقد فعل الرجل شيئًا لم يفعله الأولون ولن يفعله من بعده الآخِرون ، فقد أبدع في الخيال الفقير كما أبدع من قبل في الصياغات الركيكة المستهلكة ،فنجده مثلا يقول في ديوان حبيبتي لا ترحلي :
ورجعت وحدي في الطريقْ
اليأس فوق مقاعدِ الأحزانِ
يدعوني إلى اللحن الحزينْ !
لأول مرة يجلس اليأس فوق مقاعد الأحزان ! .. فمن البديهي أن اليأس مرتبط بالحزن صحيح أنهما ليسا مترادفين ولكن غالبا ما يتم التعبير عنهما كأنهما شيء واحد وأنا لم أعرف أن شخصا يئس ولم يكن حزينًا ، والأدهى أن اليأس يدعوه إلى اللحن الحزين ولم يوضح هل دعاه ليسمعه أم ليعزفه ! .

ونجده يفعل الأعاجيب في ديوان ( للأشواق عودة ) في قصيدة ( أحزان مصر ) -في الحقيقة خجلت من مجرد كتابة عنوان القصيدة ! -
يود الصغار بقايا رغيف
وكان الزمان بخيل العطاءْ
تركناك للفقر دهرا طويلا
وضاعت دماؤك فوق النساءْ
وبين الجماجم عطر الغواني
وكأسٌ وشيخٌ يلوك الدماءْ
وما للعروبة لوم علينا
إذا ما سئمنا طبول الإخاءْ
القصيدة مليئة بالخطايا الشعرية وما يفعله الرجل بشكل عام خطيئة كبرى في حق الشعر ،ولكن هذا الجزء هو الأسوأ على الاطلاق .. وكالعادة الرجل يتعامل مع الاستعارات والتشبيهات والمجازات واللغة بطريقة مجحفة مثل نجار مسلح أراد أن يصنع كمانًا !
أراد أن يعبر عن معاناة مصر وشعبها من الفقر فقال أن الزمان هو السبب وكأنها استجدتْ ولم تجد ،وأراد أن يقول أن الأموال والخيرات نُهبت وأضاعها لصوص الدولة على الغواني والراقصات فقال وضاعت دماؤك فوق النساء ! ،ولم أفهم مقصده من عطر الغواني بين الجماجم وكأس وشيخ يلوك الدماء ،وهي صورة مقززة بالمناسبة .

ومن ديوان ( دائما أنتِ بقلبي ) - تبا لعناوينه المستفزة ! – في قصيدة ( عيناكِ أرضٌ لا تخون ) :
والأرضُ تخنقُ صوتَ أقدامي
فيصرخُ جُرحُها تحت الرمالْ
وجدائل الأحلام تزحف
خلف موج الليل
بحّاراً تصارعه الجبالْ
والشوق لؤلؤةٌ تعانق صمتَ أيامي
ويسقط ضوؤها
خلف الظلالْ
وهي قصيدة حزينة كالعادة لتجذب أكبر قدر من الشباب الحنيِّن المكتئب ،وكالعادة أيضا أراد أن يعبر عن شيء فقال شيئًا آخر وهذه المرة قال أشياء ليس لها أي معنى .. فجرح قدمه المخنوقة يصرخ تحت الرمال تعطينا إيحاءًا سرياليا أقرب لعوالم سلفادور دالي ،وجدائل الأحلام – التي لا أعرف ما هي – أصبحت بقدرة قادر بحّاراً تصارعه أمواج الليل الذي أصبح بحرا ! .. وفي النهاية يفحمنا بالصورة العبقرية حيث الشوق لؤلؤة تعانق صمت أيامه وترمي ضوءها خلف الظلال !!! .

وكما قلت سابقا أن ما كتبته هنا ما هو إلا نماذج قليلة جدا من العبث الشعري الذي يرتكبه هذا الأحمق المثير للغثيان وفي الحقيقة كنت في غاية الاستياء وأنا أكتب عن شعره السيئ إن تجاوزنا و سميناه شعرا من الاساس وبالمناسبة فقد أحرقت دواوينه الخمسة التي اشتريتها ولكم شعرت بالسعادة بعدما فعلت هذا !