الاثنين، 31 ديسمبر، 2012

حصاد 2012 المقروء


في بداية هذا العام ألزمت نفسي بقراءة 100 كتابا ، وقد كان !، وقد اخترت الكتب التي رأيت أنها تستحق الوقوف أمامها ، سواء إن كانت رائعة أو سيئة ! .

1-   موسم الهجرة إلى الشمال
رائعة الروائي السوداني الطيب صالح ، أكمل وأهم أعماله الروائية القليلة ، هذه الرواية مثل رفوف مكتباتنا ذاتها ، لابد أن تُقتنى ، الأعمال الجيدة قليلة ، لذا لابد أن نحرص على اقتنائها قدر ما نستطيع .

2-   الأدب المصري القديم ( الجزء الأول ) موسوعة مصر القديمة
بعمق وجدٍ يبحث العظيم سليم حسن في جزء مهم من تراث الإنسانية ، هذا الأدب الثري الذي أثّر في آداب كل الأمم المجاورة له واللاحقة عليه ، هذا الجزء معنيٌ بالقصص والحكم والرسائل والتأملات ، معنيٌ بالنثر بشكل عام .

3-   يحيي الطاهر عبد الله ( الأعمال الكاملة )
من غير يحيي الطاهر تعامل مع لغة السرد بهذه الوحشية والروعة والبراعة ، مَن غيره نقل مشاهد حية من الصعيد الجوّاني حين كان جزءا منسيا تماما ، ظلّ صديقا لكل أدباء الستينيات ، ظلّ حادا نزقا نافرا ، وعندما أتعبه الملل من كتابتهم الرتيبة قرر أن يكتب أشياء مختلفة عن السائد ، ليقول للجميع " ما أنتم إلا غثاء " . طبعة مكتبة الأسرة

4-   أين نذهب يا بابا ؟!
للفرنسي جون لوي فورنييه ، قليلة هي الأعمال المترجمة التي أستمتع بها بسبب غباء المترجمين وضعف لغتهم وإصرارهم على الترجمة الحرفية ، المترجم أيمن عبد الهادي لا يُشعِر القاريء أن النص مترجم ، الرواية قصة أبٍ لابنين معاقين ، تجربة إنسانية ثريّة ، يسخر الكاتب من حاله بطريقة الكوميديا السوداء ، ولا تملك في النهاية إلا أن تتعاطف مع هذه العائلة الصغيرة . سلسلة الجوائز الهيئة العامة للكتاب

5-   الحياة مش بروفة
لا أعرف لماذا جعل شعراء جيل التسعينيات مجدي الجابري أيقونة للشعر والألم ، بعيدا عن الظرف الإنساني الذي تعرض له ، ولكن التعامل مع قصيدة النثر لا يكون هكذا إطلاقا في رأيي ، نثر العاميّة أجاد فيه الكثيرون ومدحت منير مثالا رائعا ، أما مجدي الجابري فأرى أن ظروف مرضه هي سبب هذه الضجة حوله وكذلك احتفاء زملاءه على سبيل المجاملة . الكتاب مفعم بطاقات سردية هائلة ، حتى أوشك أن يكون خطابا كتبه شخص يتصنع . مكتبة الأسرة

6-   ( كفافيس ) الأعمال الكاملة
مثال آخر لشاعر صنعته ظروف حياته ، لو لم يكن كفافيس يعيش في الاسكندرية لما كان هذا الاحتفاء به ، كل الشكر لرفعت سلام على اجتهاده الواضح في ترجمة هذا الكتاب ، رفعت سلام مترجم حصيف وشاعر قدير محنك لا أظنه سيسيء للشعر حين يترجمه وقد فعلها قبل ذلك مع ماياكوفسكي وبوشكين وآخرين ، وجاءت الترجمة رائعة . أما عن كفافيس فقد تجاهلت كل كتاباته وكل ما يقال عنه إلى الأبد .

7-   في حضرة الغياب
محمود درويش قامة عالية ، يمر كمدرعة على كل الأجيال اللاحقة عليه فيتأثرون به كتابة وإلقاءا ، أحب شعره كثيرا بطبيعة الحال وخاصة كتاباته بداية من الجدارية وحتى كزهر اللوز أو أبعد ، هو الكائن اللغوي الأنيق معنىً ومبنىً لم يدركْ أن النثر لا يحتاج إلى كل هذه الجماليات ، كثرة الحذلقة والتنميق حوّلتْ الكتاب إلى تجربة جمالية خالصة تراكيبها اللغوية باردة في مواضع كثيرة كأنه يقول "نعم أنا أستطيع أن أقول كذا " ، نقله لمشاهد الحرب جاء مصطنعا إلى حد كبير . نسخة إلكترونية

8-   إنقطاعات الموت
أول لقاء لي مع ساراماجو ، بدأت الوقائع الغريبة في قرية برتغالية نائية ، الموت لم يعد يقوم بعمله ! ، يبعث بخطابات بنفسجية ، رواية جيدة وأعمال ساراماجو مهمة بشكل عام . سلسلة الجوائز

9-   قالت ضحى
لا أعرف لماذا يصر بهاء طاهر على إفساد رواياته بنفسه ، رواية سيئة جدا ولا أعرف لماذا كتبها أصلا . طبعة الشروق

10-                         الحب فوق هضبة الهرم
يمكننا أن نسمي هذه المجموعة ( في هجاء الانفتاح ) فقد صب محفوظ جام سخطه على هذه الحقبة ولكن بسطحية شديدة ، مجرد رصد لأحوال الطبقة المتوسطة ، صار الموظفون المحترمون غير محترمين ، وصار أسافل الناس أسياد المجتمع وهكذا فقط . مثلا علي عبد الستار في الحب فوق هضبة الهرم كان يحتاج مزيدا من التفاصيل لايضاح كيف يعتمل الشبق في نفسه .
الفصحى جاءت منفرة زاعقة ، لغة غريبة دخيلة لا يستخدمها القوّاد أو الفتوة ولا حتى الشخص العادي ، إلى جانب أن أسماء الشخصيات ثقيلة ولكن أي قاريء مخضرم لنجيب محفوظ يعرف أن ما يهمه هو دلالة الاسم وليس الاسم ذاته . طبعة دار مصر

11-  رأيت رام الله ( مريد البرغوثي )
من أراد أن يستمتع ويقضي أمتع ساعات فليقرأ هذا الكتاب .

12-  فصول من الكتابة العلمية الحديثة
عدة مقالات وأبحاث لعلماء كثيرين ، إختارها ريتشارد داوكنز لما تحمله من أسلوب أدبي رفيع ، مقالتا عالِم الفضاء كارل ساجان ومقالة داروين أكثر مقالات أعجبتني ، كتاب ممتع ومختلف . صادر عن هيئة الكتاب

13-  فرسان الأحلام القتيلة
أول لقاء مع إبراهيم الكوني ، قرأت له عدة مقالات متناثرة أغلبها عن فلسفة اللغة ، الرجل يحمل ثقافة غزيرة ، يحمل إرث قبيلة الطوارق الليبية – فهو أحد أبناءها – ولكن هذا العمل كان سيئا ، أقحم الثورة الليبية في الأحداث وجاءت النهاية أشبه بالأفلام العربية القديمة ، حين يقتل الأخ أخاه دون أن يعلم أن له أخا من الأساس ! . كتاب دبي الثقافية عدد يونيو 2012 .

14-  شخصيات حية من الأغاني
لم أقرأ لمحمد المنسي قنديل أي عمل روائي من قبل ، اقتحم المنسي قنديل التراث العربي في هذا الكتاب ، وأعاد صياغته ، إتجه إلى التعرف على الأبطال العرب في التراث بعد هزيمة 67 كأنه يجد فيهم الملاذ الأخير على حد قوله ، الكتاب رائع وممتع ، فصل عروة بن الورد هو المفضل لدي . نسخة إلكترونية

15-  منامات عم أحمد السماك
أفضل أعمال خيري شلبي في رأيي حتى الآن ، رغم أن الرواية كانت تحتاج بعض الصبر ، البداية مملة رتيبة ، والنهاية أفضل وفيها تختلف مساحة الرؤية كثيرا ، مما يوحي أنه كتب الرواية على فترتين متباعدتين . روايات الهلال

16-  ثلاثية غرناطة
رغم كبر حجم الرواية فهي مسليّة وجيدة في المجمل ، تحاول رضوى عاشور أن تسترجع الماضي العربي المجيد كما يفعل الكثيرون ، الرواية مبنية على وقائع تاريخية حقيقية بطبيعة الحال ، لغتها سلسة رشيقة ، والشخصيات منحوتة بشكل جيد جدا ، يمكن أن تنتهي منها في يومين . طبعة الشروق

17-  ويأتي القطار
حاولت أن أقرأ لمحمد البساطي كثيرا لكي أحبه ولكني للأسف لم أستطع ، السرد ممل ، والحكايات مفتعلة جدا . مكتبة الأسرة

18-  مع الموسيقى
الكتاب عبارة عن مقالات مجمعة كُتبتْ في الستينيات ، فؤاد زكريا أستاذ الفلسفة صاحب العقل التحليلي البارع والمنطق الجاد الرصين ، يحدثنا عن عشقه للموسيقى منذ الصغر وعن المقطوعات التي يحبها ، يحكي مشاهداته حين كان في نيويورك ، وعن الفرق بين الموسيقى الكلاسيكية والشرقية ، تكلمت عنه في موضوع سابق ، وأعتبر هذا الكتاب دليلا مهما لكل محبي الموسيقى الكلاسيكية . وكذلك أوصي بقراءة كتاب " التفكير العلمي " أهم كتبه . مكتبة الأسرة

19-  غيمة في بنطلون
ماياكوفسكي أعظم الشعراء الروس في العصر الحديث ، الشاعر الرهيف الذي عانى التشرد ومات منتحرا في نهاية حياته القصيرة ، يقدم لنا رفعت سلام ترجمة ممتازة ، تحمل كل ما تحمله أشعار ماياكوفسكي من رهافة وحدة وقوة وذبول .

20-  ورّاق الحب
فكرة الرواية جيدة للغاية ، حيث تحكي عن محاولات روائي يبحث عن موضوع يصلح للكتابة ، وشخصيات يستطيع أن يزج بها في عمله ، أي أنها رواية داخل رواية ، ولكن يبدو أنها " قلشت " من خليل صويلح فلم يستطع أن يسيطر على الأحداث ولا على شخصياته فجاءت الرواية مفتعلة . طبعة دار الشروق

21-  الجميلات النائمات
لم تعجبي وإن كنت أحببت كاواباتا من خلالها ، لا أحب الروايات المغرقة في التفاصيل حتى الملل ، لكني سوف أقرأ له فيما بعد .

22-  دفتر سيجارة
إسم الكتاب صار يثير الضحك بعد الأزمة المفتعلة التي أثارتها صحافة الإخوان ، حين قالت أن وزارة الثقافة تروج للتدخين لأنها طبعت هذا الكتاب ! ، يروي بول شاؤول سيرة ذاتية لسجائره ، وتفاصيله الحميمة مع التدخين ، يمكنك أن تقرأ الكتاب في طريق سفر أو حين لا تجد شيئا آخر تفعله .

23-  بيرة في نادي البلياردو
الرواية الوحيدة لوجيه غالي ، الترجمة الأفضل بترجمة هناء نصير ، رواية ممتعة أثارت الكثير من الجدل وظلت ممنوعة حتى وقت قريب ، سيرة ذاتية لشاب مصري مسيحي عاش حياة تشرد وصعلكة في أوروبا وحياة ضياع وفقر بعد جاه وغنى في مصر ، في ظل عهد عبد الناصر ومحاربته للإقطاع ، رغم بساطتها الظاهرية إلا أنها تحمل بُعدا إنسانيا وسياسيا ورؤية مختلفة . رواية جديرة بالقراءة . طبعة دار فكرة

24-  يوتوبيا
ظللت أبحث عنها فترة طويلة ، أعرف أن أحمد خالد توفيق لم يكن موفقا في تجاربه الروائية خارج السلاسل ( ماوراء الطبيعة – فانتازيا .. إلخ ) إلا أنني أحبه بشكل شخصي ، وأرى أن " المثقفين " يحملونه مالا طاقة له به ، حين يرون أنه روائي ضعيف المستوى وكاتب بوب آرت من الدرجة الأولى .
الرواية ليست سيئة إطلاقا ، ويظهر اجتهاد الرجل واضحا فيها ، وتظهر ثقافته ودراسته للسيناريو ، وظف كل هذا لكتابة هذه الرواية ، صحيح أن رواية آلة الزمن لهربرت جورج ويلز تظهر بقوة ولكن لا بأس ، لم يكتب أحد شيئا من العدم ، وأفكار الكتابة محدودة بشكل عام ، فقط الصياغة والرؤية ما تفرقان بين عمل روائي وآخر

25-  العطر ( قصة قاتل )
جنون زوسكند الرائع الخلاق أوجد عملا خلابا ، تلك الرواية ستظل عالقة بذهني حتى وقت طويل . طبعة دار أفاق

26-  حيوانات أيامنا
إضافة إلى لحظات غرق جزيرة الحوت وسفر ورشق السكين ، أضع هذا الكتاب في قائمة أفضل ما قرأت للمخزنجي . طبعة الشروق

الأربعاء، 12 ديسمبر، 2012

خرافة الثعبان الأقرع بين هذيان الشيوخ وسذاجة المستمعين


قبل أن تبدأ:
المقال يزيد عن ألف كلمة، فلو كنت من سريعي الملل فلا ترهق نفسك.

مازالت كتب عذاب القبر، وعلامات يوم القيامة، ونهاية العالم واسعة الانتشار، وذلك بفضل سذاجة العامّة وجهلهم، وبسبب طمع شيوخ الدعوة، ورغبتهم في توسيع نفوذهم.
كل مسلم متأكد تمامًا أن ما جاء في القرآن والسنة الصحيحة حق. لكن الأزمة تكمن في فهم النص المقدس، وفي كيفية العرض والتناول.
كثير من الدعاة يخلطون الأحاديث الضعيفة أو الموضوعة أو المشكوك في صحتها إسنادا ومتنا بالأحاديث الصحيحة.
يضيفون الأحاديث المليئة بالويلات والوعيد لإرهاب المستمعين -السُذج– الذين لن يستطيعوا أن يتأكدوا من صحة ما يقوله الدعاة. هؤلاء المشاهدون يتقربون إلى الله بمشاهدة القنوات الدينية.

بل وحتى الأحاديث الصحيحة يتم تأويلها بشكل منحرف. محمد حسين يعقوب في إحدى تسجيلاته القديمة روى حديث "اعْدُدْ سِتًّا بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَة" المشهور الذي رواه (البخاري) و(ابن ماجة) وفسّر قول رسول الله " ثُمَّ فِتْنَةٌ لَا يَبْقَى بَيْتٌ مِنْ الْعَرَبِ إِلَّا دَخَلَتْهُ" وقال إن المقصود هو التلفزيون أو المفسديون على حد تعبيره السخيف وقتها.
وأيضا حديث "لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه" فسره بعض المفسرين العباقرة بأن المقصود هو أسامة بن لادن. وقالوا إن أصله يعود إلى قحطان!.
وفي حادثة ذات دلالة، اتصل سائل بأحد الشيوخ على قناة فضائية، وقال:
"من الظواهر التي انتشرت في وقتنا الحاضر الهواتف الخلوية. ومن الملاحظ أن كثيرًا من الناس يقومون بإدخال رنات موسيقية لبعض أغاني المطربين والمطربات مثل عبد الحليم أو أم كلثوم أو غيرهم للهاتف الخلوي. والسؤال هو: هل تلك الظاهرة من علامات الساعة الصغرى أم الكبرى ؟!
والسؤال الثاني الأهم: سمعت أحد الأشخاص يروي حديثا للرسول عليه الصلاة والسلام قائلا: قال صلى الله عليه وسلم : سيأتي زمان على أمتي يحدث فيه الرجل أهله بشراك كشراك نعله. فهل كان النبيُّ يقصد الموبايل؟.
فما كان من فضيلة الشيخ أن عدّد علامات يوم القيامة الصغرى والكبرى، ولم يحاول أن يقوّم الاعوجاج في سؤال المتصل العبقري.
ولهذا الاتصال دلالتان:
الأولى: أن المتصل العبقري شخص ]فاضي[ بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ.
والثانية: أن مولانا المُفتي قد وافقه ضمنيا – لأنه لم يرد على السؤال بشكل صريح- وأيضا لم يبذل أي مجهود في البحث عن رد مناسب، قال ما يحفظه مباشرة دون تفكير.
وفيما يلي سوف أتكلم عن نقطتين في غاية الأهمية، الأولى (أشراط الساعة وعلامات يوم القيامة) والثانية (عذاب القبر وأهواله) بغرض الإيضاح، وإزالة اللبس.
أحاديث أشراط الساعة واضحة صريحة في لفظها غالبا، مثل طاعون عمواس في فلسطين، وبعثة النبي ووفاته، وفتح بيت المقدس، وظهور مدعي النبوة.
والحديث عن انتشار الفتن، واعتبارها من أشراط الساعة هو من السذاجة. فطالما نحن على الأرض، فنحن نجابه الفتن منذ بدء الخليقة. وحتى من قبل أن ينزل آدم إلى الأرض، فقد واجه فتنة إبليس، وأكل من الشجرة المُحرمة.
أما عن التخويف من عذاب القبر وأهوال يوم القيامة، فأفاعيل الشيوخ تتعدى حدود المسموح والمعقول. تتحول الخطب إلى عروض مسرحية تراجيدية، مليئة بالصراخ والتهديد والبكاء.
 ولعل البعض يذكرون الكلام المكذوب الباطل عن خرافة (الثعبان الأقرع) الذي يضم الميت تارك الصلاة حتى تتكسر عظامه.
ضمة القبر وحساب الملكين ثابتان وراجحان عند أهل العلم وفي الأحاديث الصحيحة في البخاري ومسلم، وكذلك حديث الإسراء والعروج الطويل الذي تضمنّ ذِكر عذاب بعض العصاة، أما عن الثعبان (شجاع الأقرع) هذا فكلها أحاديث موضوعة. وتأملوا معي الحديث التالي:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من آتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته مثل له ماله يوم القيامة شجاعاً أقرع له زبيبان يطوقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه – يعني شدقيه- ثم يقول: أنا مالك أنا كنزك ثم تلا "ولايحسبن الذين يبخلون .... "
واضح من الحديث أن تلك عقوبة البخيل الشحيح الذي لا يؤدي فريضة الزكاة وليست عقوبة تارك الصلاة.
وفي النهاية، ألخص ما أريد قوله في بعض نقاط:
الاستفاضة في الحديث عن عذاب القبر وأهوال يوم القيامة هدفها التخويف والإرهاب فقط لا غير. فعندما يتعاظم الشعور بالذنب، يفرّ العامة إلى أحضان الشيوخ خائفين، بدلا من أن يفرّوا إلى الله تائبين.
 نؤمن بالجنة والنار لأن أدلة وجودهما منطقية وراسخة صحيحة. وأتى ذكرها مفصلا واضحا في القرآن والسنة. أما عذاب القبر ونعيمه وعلامات يوم القيامة فالأحاديث الموضوعة في هذا الباب كثيرة والكلام عنها مشوش غامض.
 لابد أن يكون الجزاء من جنس العمل. وكثير من أصناف العذاب الواردة في ادعاءات مشايخ السلفية بالذات لا تتناسب مع الذنوب إطلاقًا، لا كمًا ولا كيفًا.
وهناك قاعدة مفادها "أن لو كان الثواب المذكور في الحديث مبالغا فيه بشكل ملحوظ وأكبر من الطاعة فالحديث فيه شك" ونفس القاعدة تنطبق على العقاب كذلك.
في العصور الوسطى في أوروبا امتلك رجال الدين سلطات هائلة. كانوا يرعون الحاجات الدينية، ويقيمون الشعائر، وينظمون العبادات ويوجهون الناس. كان لهم نفوذ سياسي رهيب وكوّنوا ثروات طائلة، حيث تحالفوا مع الإقطاعيين والتجار من أجل أغراضهم الخاصة.
والسؤال: كيف بسط رجال الدين في أوروبا في العصور الوسطى نفوذهم بهذا التوسع على العامة؟
في عصور الظلام والانحلال يزداد تعلق الناس بالدين، ويصبح هو باب الخلاص الوحيد ولا نجاة بدونه، وخاصة في مجتمع مزقته الحروب الطاحنة داخليا وخارجيا، وحصدت الأوبئة والمجاعات أرواح الملايين. فالناس يصبحون كالأغنام، يُساقون إلى ما لا يعرفون ولا يتكبدون عناء السؤال عن وجهتهم.
ويتعلق تفكيرهم بالغيبيات وأمور ما بعد الموت وحياة البرزخ، وكل ما له صلة بالعالم الآخر. يذكّرون أنفسهم بأنواع النعيم في الآخرة، كنوع من الهرب من الواقع المرير، وكمحاولة لتعزية النفس عما يحيق بها ( الحور العين كمثال ).
وهكذا الحال عندنا الآن. ومن يقرأ تاريخ العصور الوسطى في أوروبا يجد أوجه الشبه كثيرة مع عدة فوارق أهمها أن رجال الدين المسلمين صاروا هم التجار سواء بالدين أو بغيره.
  الناس يبغون مرضاة الله فيتعلقون بشكل العبادة لا بجوهرها. الصلاة مجرد حركات آلية. الصيام خشن، جاف مليء بالسباب والغضب. يشاهدون برامج الرقائق ولا يعرفون أسس العقيدة. ولتكن الاتصالات والرسائل هي القرابين، يقدمونها تحت أقدام الشيوخ – كما في الديانات الوثنية – ليغفر لهم الله ويفتح لهم أبواب البركات.
   الحيلة الهامة هي إقناع العامّة بنظرية المؤامرة التي يدبرها الغرب الكافر والشرق الوثني للإطاحة بالمسلمين. وكأنّ المسلمين قوة يخشاها غير المسلمين. يصور تجار الدعوة أخطارًا لا رادّ لها. وبالتالي يرتمي الناس في أحضانهم. فهم العارفون، الواقفون على ثغور الدين والدنيا.
ولو تأملنا ادعاءاتهم لوجدناها أشبه بكلام المنجمين والعرافين في الحضارات الوثنية، لما فسروا ظواهر طبيعية عادية لم تكن مفهومة وقتها. فالأعاصير من غضبة زيوس العاتية، والزلازل من حنق هيدرا على البشر، وهكذا.
تلك النزعة الأسطورية في تفسير الظواهر الطبيعية، ملمح مهم في تفكير الإنسان البدائي. ونجده واضحا في كل أساطير الحضارات القديمة، يجمح خيال الإنسان في محاولة لفهم العالم، فيصوغ تفاسير بدائية لتخفيف حدة حيرته وشكوكه.
فعلى أقل تقدير -لو فرضنا حسن النيّة- لقلنا أن شيوخ السلفية مازالوا بدائيين في طريقة تفكيرهم. أضف إلى ذلك أنهم لا يتحرون الدقة فيما يقدمون. فماذا يكون التضليل غير هذا؟.

وحتى الآن لم يقدم الشيوخ الأفاضل أي فكرة أصيلة جديدة. يتكئون على كتب ابن تيمية وابن القيّم التراثية القديمة. ينقلون ما فيها من قضايا ومسائل وفتاوى بشكل حرفي، وقد انتهت أغلبها بانتهاء العصر. يفتقرون إلى المنطق الرصين الجاد وإلى الرؤية الواضحة المتزنة، وأخيرًا لا يملكون مشروعا واضحا لإقامة أمة إسلامية قوية.
يستخدمون الصراخ والحكايات الخيالية، والأحاديث الضعيفة للإرهاب والتخويف ليجتمع الناس حولهم ويرتمون في أحضانهم. ربما لخدمة أغراض طائفة معينة، أو لتحقيق أهواءهم.
شيوخ الحركة السلفية يريدون أتباعًا صامتين، لا مسلمين فاعلين. وما الذي يستفيده المسلم من تتبع علامات الساعة وتلمسها في كل حادثة ؟ وماذا سيفيده التخويف من عذاب القبر؟
فنحن نعبد الله بالخوف والرجاء، لا بالخوف وحده. نعبده لأنه الواحد الأحد، نور السموات والأرض، هو القاهر ونحن عباده الضعفاء. لم نأتِ للدنيا كي نخاف. فلله حكمة من خلقنا أجلّ وأكبر.


الأحد، 9 ديسمبر، 2012

ما أحبُّ من دنياكم


العزلة
كلُّ الأماكنِ تضيقُ بي وأضيقُ بها ، بعد حينٍ طويلٍ أعتادُ الأشياءَ والعابرينَ ، تعبتُ من الشوارعِ ، الإسفلتُ جرّحَ روحي بما يكفي ، لأيامٍ كنتُ أدور بلا هدفٍ  ، حين أكونُ مع الآخرين - وخاصة إن لم أكن أعرفهم - لهو الجحيم .
أكرهُ عيونَ الناسِ وأخافُ ألسنتهم ، لا يسعني سوى غرفتي ، وحضنِ الرقيقةِ الذي أنتظره ، حديثُ السائقين والركاب مملٌ ، أنظر من النافذة ، أهرب إلى نفسي ، أكره الصخب والافتعال ،أكره طريقة كلامهم  . وحدي أذوق روعة اللغةِ حين أقرأ ، وحدي أهتدي إلى أراضٍ جديدةٍ لم يعرفها الآخرون ، يشرق حدسي أكثر كلما ابتعدتُ . شوارع المدينة من شرفة البيت أجمل وأرحب ، ماذا يريد ابن الإنسان حين يكون وحده ومعه كتبه والموسيقى وأي شيء يريد ؟ . ماذا يريد ابن الإنسان من التواصل مع آخرين ؟ . نفسي تكفني ، ومعي ما أريد وليكن ما يكون في العالم .
الموسيقى
بالصدفة تعلمت أن أنصتُ إلى الموسيقى لا أن أسمعها ، وكان فتحًا كبيرا ، لكلُّ ضربةٍ قوسٍ معنى ، في الظلامِ تختلطُ الموسيقى باللونِ ؛ الكمانُ بنفسجيٌ ، والتشيلّو بنيٌ ، الأُبوا أزرقٌ سماويٌ ، فقط لمن ينصتُ تهبّ الموسيقى سرّ الجمالِ وتفتحُ أبوابَ العرفانِ .
كلٌ له مذاقه ، موزارت عفوي ، تتنزل عليه الموسيقى من السماوات العُلى ، كلهم يوحى إليه ، كلهم أنبياء ، فقط كلٌ يبلّغ الرسالة بطريقته ، بيتهوفن الجميل القوي النافذ إلى جوهر الأشياء ، موسيقاه حرفيةٌ متقنةٌ نزّاعةٌ للكمال ، لم يكن عفويا كموتزارت لكنه يظل جميلا عصيّا على الموت والألم والنسيان . فيفالدي الغارق في الجمالِ المهووس به ، سريع التحولاتِ متقنها . الجمال متوغلٌ فيهم حتى النخاع . ليتني كنت مثلهم ، ليتني أفتح بابا واحدا حتى أرى ما رأوا .
القهوة
درويش تعامل مع القهوة بما لا ينبغي لها ، ليست حبيبة نتغزل فيها يا رفيق ، لا تأتي صباحا فقط ، بل صوتٌ يدوي في الروح ، ونور يشرق في الدمّ ، تأخذ شكل أرواحنا ، قوية صلبة لاذعة حين الغضب مع ثلاث سجائر حامية الدخان ، نافرة في الدم في سهرة الخميس حيث الليل منفتح على مصراعيه ، عميقة هادئة بعد الساعة الرابعة كل يوم .
تشحذ الحواس وتجلي الروح ، ويرقّ لرائحتها القلبُ ، أشربها دون إضافاتٍ ، بنيَةٌ لا محوجةٌ ولا فاتحةٌ ، رشفاتٌ قصيرة لها صوت حين أقرأ وحدي ، رشفات هادئة عميقة كالقبلات حين أكون على المقهى ، أطلب من عامل المقهى أن يكون البن ثقيلا ، هكذا يصبح الفنجان منضبط المقدار ، أطلب منه أن يصطبر عليها قليلا حتى تستويَ غليظة بنية كأجساد اللاتينيات . لا أشرب القهوة صباحا أبدا ، بعد الرابعة عصرا موعدنا ، وفي ليل الخميس الهاديء الطويل لكي أسهر كيفما أشاء .
الدخان
من يعبّون الدخان بشراهة حمقى ، خذ منه قليلا قليلا حتى تستشعر طعمه وتأثيره ، فليكن كل ساعتين .. فليكن ! ، لا تشربْ السيجارة وحدها أبدا ، القهوة مناسبة لي ، أحب السجائر الروثمانز ، لا أستخدم الكبريت الذي يفسد طعمها دون خجل . حين أقرأ ، أشعلها وآخذ نفسا عميقا واحدا ، ثم أتركها معلقة في المنفضة تبثّ عبقها النافذ القوي ، الشتاء يغلق أبواب الشرفات والشبابيك ، فأستمتع بالدخان كله وحدي ، الدخان الخام المختلط بهواء الغرفة ، الدخان الخارج من صدري ، غلالة بيضاء رقيقة ، تترك سمتها على كل شيء .
الدانهيل راقية رقيقة تنتهي بسرعة ، الإل إم حارقة جهولة ، الكليوباترا الأم الرؤوم التي مهما كان منها أظل أحبها ، وقفت معي وقت الشدة ، دربتني على احتمال دخانها الكثيف رويدا رويدا . تفاصيلنا حميمية جدا ، أسلطّ لهب القداحة عليها حتى يجفّ دخانها الرطب ، أفركها بين إصبعين برفق مخافة أن تتمزق البفرة ،  أشعلها آخذا نفسا عميقا أسحبه إلى صدري برفق.

الأحد، 25 نوفمبر، 2012

هكذا تحدّث ( فؤاد زكريا )


الجميع تقريبا ينفرون من الفلسفة - وأنا منهم - ، دوامة كبيرة من القضايا غير المهمة ، مثلا عن تفعيل الجانب الميتافيزيقي من الفلسفة الديكارتية ، أو عن المنهج المابعد حداثي بين الترنح والتأرجح ( تحديات وعواقب ) وأشياء أخرى من هذا القبيل ، ومصطلحات كبرى رنانة ، تهلك القاريء وتقضي عليه تماما .

قليلون فقط من استطاعوا أن يخرجوا من هذا الفراغ الفلسفي الهلامي ، بعيدا عن التنظير البارد الأجوف ، وانتبهوا إلى قضايا كبرى وحاولوا تطبيق أدوات البحث الفلسفي والتفكير المنهجي عليها ، ليجدوا مكامن الخلل ، وقد يتوصلون إلى حلول . منهم فؤاد زكريا

قليلون من يعرفون فؤاد زكريا ، وأقل منهم من قرأوا له ولو حتى كتابا واحدا حتى في الأوساط المثقفة ، اللهم إلا المهتمون بالفلسفة ومباحثها والأكاديميين ؛ بدأت علاقتي بالرجل عندما سمعت خبر وفاته في مارس 2010 ، لم يكن الإسم غريبا عليّ ، فتذكرت أنني قرأته مرارا على كتب سلسلة " عالم المعرفة " ، هو من وضع الفكرة وأسسها ، ومولتها الكويت.

المبدأ الأول الذي اعتنقه الرجل ودافع عنه طيلة حياته هو "العقلانية" ، أو بمعنى أدق " التفكير العقلاني " ، وفي كتابه الرائع " التفكير العلمي " الصادر عن سلسلة عالم المعرفة ، يشرح بأسلوب راقٍ ولغة بسيطة – كما اعتاد في أغلب كتبه إن لم يكن كلها – أن التفكير العلمي ليس حكرا على العلماء والفلاسفة فقط ، بل يجب أن يكون طريقة تفكير كل إنسان سوي ، ويقول أن السبب في كل المشكلات التي تواجه مجتمعاتنا هي البعد عن التفكير العلمي ، قد تبدو الجملة مطاطة أو متعالية قليلا ، ولكن تلك هي الحقيقة ، فالمجتمعات العربية الآن رفعتْ شأن المشعوذين والدجالين وشيوخ تفسير الأحلام .

" صحيح أن العقل مازال يجهل الكثير ومازال عاجزا عن تفسير الكثير ، الا إنه افضل اداه نملكها كي نعرف عالمنا و نسيطر علي مشاكلنا " من كتاب التفكير العلمي .

في رأيي تكمن أهميته أيضا أنه لم يخش المواجهة ، انتقد د. مصطفى محمود والشيخ متولي الشعرواي ، رغم أنهما يتمتعان بشعبية كبيرة ، لكنه لم يخش غضبة المحبين ، بل وكان طوال الوقت ضد الاعتقادات الشعبية وآمن أن كل ما تتمسك به جموع الشعب هو البخس الرديء .

" جموع الناس تبحث عادة عن الأسهل والمريح وتتجمع سويا حول الرأي الواحد مثلما تتلاصق أسراب الطيور لتحمي نفسها من الصقيع ، وكلما كان الرأي منتشرا ومألوفا كان في انتشاره نوعا ما من الحماية لصاحبه إذ يعلم أنه ليس الوحيد المؤمن به بل يشعر بدفء الجموع الكبيرة وهي تشاركه اياه ، ويطمئن حين يستظل تحت سقف الأغلبيه ، أما احساس المرء بأنه منفرد برأي جديد وبأنه يطأ أرضا لم تطأها قدم أخري من قبل يتعين عليه أن يخوض معركة مع الأغلبية كي يحمي فكرته الوليده فهذا الاحساس لايقدر عليه الا القليلون"

كان واضحا صريحا ، لم يقتصر دوره كما قلت سابقا على تدريسه للفلسفة ، وترجمة أهم كتب الحضارة الغربية ، له مواقف سياسية صلبة ، وخاص معارك كثيرة ، انتقد عبد الناصر بعد ثورة يوليو فوصفها بأنها انقلاب عسكري ، وبداية لحكم عسكري فردي مستبد ، قد يختلف البعض حول هذا الرأي ولكنهذا ما حدث فعلا .

هاجم السادات في قمة مجده بعد الحرب ، قال أنه لم يصنع الانتصار وحده ، والانتصار ملك للجيش كله ، وعارض تحالفاته السياسية بعد الحرب قبل كامب ديفيد ؛ قوّم تجربة حسنين هيكل – الشماشرجي الأكبر لكل الحكام – وبيّن تناقضاته في كتابه " كم عمر الغضب " ، ردا على كتاب هيكل " خريف الغضب " وأوضح أن نقده لفترة حكم السادات وعبد الناصر ليس إلا تصفية حسابات .

وكان من الطبيعي أن تحيد عنه جوائز الدولة التي تشبه النقوط في الأفراح البلدي ، لم يتلق تكريما يليق به ولكنه اكتسب احتراما واسعا ، وأظنه نال الرضا عن نفسه كما أراد .

في كتابه " خطاب إلي العقل العربي " قال : " لو تساءل المرء عن الصفة الأخلاقية التي يراد من الإنسان العربي أن يتحلي بها في جميع مراحل عمره، وفي جميع الميادين التي يتعامل معها خلال حياته الخاصة والعامة، لكانت هذه الصفة، علي الأرجح، هي الطاعة . فالأنظـمة الديكتاتوريـة في عالمنا العربـي لا تريد من المواطن إلا أن يكون ( مطيعا ) لأوامر الحاكم . ومجتمعاتنا تتبع النظام الأبوي ، ومن ثم يعتاد المواطن من صغره علي احترام مبدأ الطاعة، سواء في داخل العائلة، أو في المدرسة، أو في مواقع العمل، أو في أي مكان، وفي كل أمر من أمور حياته "

"علي أنك حين تطيع، لا تكون ذاتك، بل تمحو فرديتك، وتستسلم لغيرك. وأكاد أقول إن أعظم إنجازات الإنسان لم تتحقق إلا علي أيدي أولئك الذين رفضوا أن يكونوا مطيعين.. إن كل شيء عظيم أنجزته البشرية كان مقترنا بقدر من التمرد، ومن الخروج علي مبدأ الطاعة"

كان شغوفا بالموسيقى الكلاسيكية ، قارن بينها وبين الموسيقى العربية ، فوضع يده على مكامن الخلل والنقص ، شغفه تنوع وثراء الموسيقى الكلاسيكية ، الهارموني بين كل آلات الأوركسترا التي تعزف في آن واحد ، في كتابه المهم التعبير الموسيقي ، والكتاب الرائع الصغير " مع الموسيقى " وهو مقالات مجمعة قديمة نشرت في الستينات .

وضع كل شيء أمامه موضع المساءلة ، بالمنطق والحدس يصل إلى الجوهر الكامن ، إلى الحقيقة التي كانت مراده الدائم ، العقل هو الدليل والمرشد ، لم يكن متعاليا في لغته ، كان يخاطب الناس ، قليلون من فعلوا ما فعل. لذا أظن أن فؤاد زكريا لديه إجابات كثيرة ، بل وطرح أسئلة لم يطرحها أحد قبله ، وأظن أن قراءة كتبه غاية في الأهمية في الوقت الحالي – بالنسبة لي على الأقل .

" الثقافة الحقيقية ليست أمانا واطمئنانا، وليست دعة وهدوءً ، وإنما هى العيش فى خطر ، وهى قلق وتوثب وترقب دائم "

الجمعة، 16 نوفمبر، 2012

ريما خشيش و الكابدور وكازانتزاكيس



منذ فترة وأنا مستقر مكانيا ونفسيا ، أبذل جهدا كبيرا لأحافظ على الإيقاع الذي خلقته لنفسي ، يختلف الأمر كثيرا عن العزلات الانسحابية التي مارستها سلفا ، عزلة أكثر نقاءً وإنتاجا ، يختل إيقاعي مرات فأعيد الانتظام ، أعيد حساباتي كما أفعل دائما ، ولكن بهدوء هذه المرة ، أعيد استكشاف ذاتي كما أفعل دائما ، وأظن أنني وصلت لنتيجة نهائية ! .

هكذا هي الحال ، مكابدات شتى للوصول إلى ما تريد ، المدونة للأسف غابتْ عن حساباتي الفترة الماضية ، التغير الذي حدث في بلوجر أطفأ حماسي كثيرا ، ولو يعرف أحدكم كيف أصل إلى قائمة المدونات التي أتابعها فليخبرني ! ، فأنا تائه وسط ضباب التجديد هذا ولا أستطيع أن أتواصل مع أحبائي .

دفعتني حفلة ريما خشيش بالأمس للكتابة الآن ، ليست الحفلة نفسها ، ولكن تفاصيل اليوم ، بار الكابدور ، الحالة التي فرضتها ريما ، كتاب كازانتازاكس تقرير إلى جريكو ، فرحتُ حين وجدته وحزنتُ حين لم أستطع أن أشتريه ! ، 100 جنيها ثمن لا يستهان به .

حالة أفتقدها منذ وقت طويل ، لا أحب الحفلات العامة وأماكن الزحام ، ولكن الحفل لم يكن صاخبا ، حديقة الأزهر خلابة فعلا ، فقط أريد وقتا ومالا ، وأعتقد أنني لو وجدتهما لما توقفت عن الترحال في بلاد الله حتى أموت .

الشتاء يأتي رويدا ، وعما قليل سيفرض سطوته على كل شيء ، القراءة أجمل في الشتاء ، كازنتزاكيس ، طاغور ، فيسوافا شيمبوريسكا ، لوركا ، أبو نواس ، فان جوخ ، عماد أبو صالح ، إبراهيم أصلان ، شوبنهاور ، رحمانينوف ، بيتهوفن ، موزارت ، شوبان ، يحيي الطاهر عبد الله ، أمل دنقل ، الطيب صالح ، السنباطي ، المسيري ؛ كل هؤلاء أشعر بصلة قربى بيني وبينهم ، كأنهم أخوال أو أعمام أو آباء حتى ، يتجسد حضورهم أكثرى ويقوى في الشتاء .

الكتاب يصير أقرب ، ربما لأنني أنام دائما والكتاب على وجهي – دائما أنسى النور مفتوحا - ، رائحة الورق تملأ أنفي ، الموسيقى تصير صداحة أكثر ، واضحة ومفهومة ، أستطيع أن أفهم كل ضربة قوس ونقرة بيانو ، أعيد النظر في أمر الشعر ، يعتبر الأصدقاء أن ما كتبته في الفترة الماضية تجربة جديدة تماما عليّ شكلا ومضمونا ، وما أعتبره أنا أنها مجرد تجارب ومحاولات لا أكثر ، وربما أمضي إلى طريق السرد لأجرب ، أظن أنني أحتاجه في هذه الفترة .

أعتذر عن غيابي الذي طال نسبيا ، أعتذر لمدونتي أولا - سأتدفأ بكِ في الصقيع يا ابنتي - وأعتذر لأصدقائي الذين ينتظرونني كلما غبت ، لو لم تشغلني الدنيا بتفاصيلها المزعجة فسوف آتي 4 مرات في الأسبوع ، أتمنى أن أستطيع .

ملحوظة أخيرة : هذا الشهر هو شهر ميلاد المدونة ، فقد أتمّتْ عاما وبضعة أيام  .

الأحد، 7 أكتوبر، 2012

فصل من حكايات الشارع والتجربة


ما أسوء أن تظل أربعة أعوام كاملة تتسكع على النواصي مع الأرزال والتافهين، تسمع تامر حسني مجبرا، وتسمع نفسك بعد حين تدندن "بتغيب وانت اللي على بالي وان كنت مش غالي يبقى مفيش غاليين" تغازل الطالبات العابرات، تنظر إلى مفاتنهن وهن حريصات على إظهارها، تخبيء السجائر الكليوباترا والبلمونت الفرط في الشراب صيفا وفي القميص تحت البلوفر شتاء كي لا تكون الضحية أو الأبله وأنت أصلا لا تمتلك نقودا لتشتري سجائر أخرى .

لا يحبكم محمود قاسم كثيرا، فقط يتودد إليكم لكي تملئوا السايبر وتجلسوا وتدفعوا ثمن ساعات النت والشيبسي والمياه الغازية، مشروعه الناجح بعد عدة مشاريع خائبة، وطبعا لم يكن يرفض إذا لف أحدهم سيجارة أو جلس لصق فتاته يخبط صدرها بكوعه كأنه غير متعمد أو يضع يديه على فخذها، أما بعد العاشرة ليلا فوقت المرح الحقيقي، وطبعا لا داعي للقول أن أفلام البورنو والرقص الشرقي تملأ الأجهزة والصابون والشامبو في الحمام لمن أراد الاستزادة .

(السيد منصور) سائق التاكسي العليم بأمور النساء القادر على كشفهن واستمالتهن بنظرة واحدة، (رضا جبر) اللص السابق الذي يحمل في جيوبه دائما ما طاب من أجود أنواع البانجو السيناوي الأصفر - مشروبه المفضل - والأمواس لزوم تقطيع الحشيش وورق البفرة طبعا وفيما بعد تعرف أنه من أرباب السوابق 3 قضايا سرقة بالاكراه وقضية حيازة مخدرات وقضية نشل، ومجاهد كرشة – ليس اسما سينمائيا – البلطجي الضخم دميم الوجه يجلب علينا الوبال دائما بسبب وقاحته ورزالته على خلق الله فكلما مشى أحدهم مع فتاته لم يسلم من هذه الدبابة البشرية .

أما أصدقائك الأقرب فكانوا هم السبب في التعارف ورغم كل شيء مازلت تحمل لهم شيئا من الود، (البدري) الثرثار الحلنجي طيب القلب – صار تاجر مخدرات قد الدنيا الآن – سبب هذا التجمع، (هيثم) زميل الثانوية وأقربهم إلى قلبك وأقربهم لك طبعا ونفسا، ظروف تواجدكما كانت متشابهة إلى حد كبير ولكنه كان أقدر على مجاراة الأحداث والدخول وسط المعمعة.

وفاة أبيك في هذه السن -سن ال19 – وأنت تنضج بسرعة، وعيك مضطرب، دمك فائر، مزاجك متعكر دوما، يتكرر الرسوب الدراسي، دائرة الفشل تكاد تنغلق وتحاصرك، معلق أنت، حياتك دائما بين بين، وفجأة يختفي صوت الشجار المتبادل بينك وبين أبيك كأنك أصبت بالصمم وأنت في شارع مزدحم، يمزقك الخوف كلما تذكرت مشهد الموت، وتحمل إحساسا بالذنب لا تعرف سببه .

تصحو وتنزل دون افطار حوالي العاشرة أو الحادية عشرة لكي لا تفوت من اليوم شيئا، الافطار في المقهى وكوب الشاي والسيجارتان الفرط بالعدد وتبدأ بطولة الدومنه اليومية، وقت تصفية الحسابات وإثبات القدرة والسيطرة، فالرابح في الدومنه أوالطاولة هو عريس اليوم . خمسة جنيهات في اليوم لا تكفي لاقامة شبه كاملة خارج البيت، لا تكفي الأكل، عشر سجائر فرط، كوب شاي، المواصلات وأنت تسكن بعيدا عن مكان التجمع .

دربت نفسك وتأقلمت على هذه الحال، بعدما كنت كائنا بيتوتيا، كرهت البيت وجدرانه، انفكت قبضة أبيك، طاشت الخطى، أردت أن تخوض الحياة بأسوء طريقة ممكنة، تمعن في إيذاء أمك، عن عمد تخيب أملها فيك، ترسب لكي تضايقها فحسب، تحب مواد الكلية وتقرأ الكتب كاملة وتستوعب كل ما فيها وتترك ورقة الاجابة بيضاء من غير سوء، كما فعلت في الثانوية العامة من قبل، عرفت أنهم يحبون أن يروك ناجحا ويلحون في طلب المجموع الكبير فكرهت أن تكون كما يريدون .

تكره البيت، تتسكع في الشوارع، كلهم يذهبون إلى بيوتهم وأنت تدور، تمل من جلسة السايبر ومن الحكايات المعادة عن الشجار بالسكاكين والسِنَج ومن حكايات النوم مع العاهرات والمطلقات، تحتويك الشوارع حتى الثانية ليلا، أصدقائك القدامي أشد إملالا، لا يشربون مثل ( رضا )، ولا يغازلون البنات بحنكة وحرفنة مثل السيد منصور الشهير بـ( السيد كِبَد )، ولا يملكون حكايات مثيرة مثل (مجاهد كرشة) يكتفون فقط بالمشاهدة، مشاهدة أفلام البورنو والكرة التي تكرهها ومشاهدة البنات الفائرات يعبرن من أمامهم في الجامعة والشارع وهم يكتمون أنفاسهم ولا يقدرون حتى على الكلام وأنت تريد أن تقابل أناسا جددا، تريد أن تقابل الغرباء أبناء الشارع والتجربة .

ينضم إلى الشلة أعضاء جدد (محمود جمعة) جذبته جلسة المخدرات وصار شرِّيبا ثقيلا، ( شتا ) أعجبته المغامرات الصغيرة وجو الاثارة فهو البدين الطيب مضحك الجميع القادم حديثا من الخليج، نادر بخبثه ولدغته في الراء وإفراطه في حكاياته وبطولاته المبالغ فيها، جاء لينغص على الجميع جلساتهم .

ومن الطبيعي أن تنضم (مروة مجاهد) ومعها (صفاء) و(شيماء) و( بدر)، دخلن معا وخرجن معا، لم يستطعن أن يفزن بعريس جيد، أفراد الشلة تائهون وأنت تقف على الحياد منهن، أرادت (مروة) أن تستميلك ولكنك كنت تراهن جميعا مثل البضاعة الراكدة، رغم جسدها الفائر وشفتيها الممتلئتين وكلامها المليء بالإيحاءات الصريحة، تقرر أنك لن تصاحب فتاة امتدت إليها أيادي كل أصدقائك تقريبا في رحلة إلى الاسكندرية ! .

تنخرط أحيانا وأخرى تكتفي بالمشاهدة، كأنك بيولوجي يراقب جراثيم تحت المجهر، ماذا لو علموا أنك تقرأ أو تحديدا أنك كنت تقرأ – مللت القراءة وقتها فليست هي السبيل الذي تريده الآن - عاملوك بلطف في البداية فأنت ابن الناس الكويسين الذين رمت بهم الأقدار، يحترمونك من الظاهر ويحقدون عليك وعلى أمثالك من الباطن، ساعة السُّكر يظهر كل شيء، من يقع تحت وطأة المخدر ما له من راحم، سخرية ممزوجة بالحقد تعلن عن نفسها دون رقيب، غضبت وأنت سكران لأنهم سخروا من بدانة ( شتا ) يعاملونك بلطف في المواقف العادية، وينتظرون ذلاتك، فإن لم تحدث وأنت في وعيك قلبوا وجوههم وأنت سكران .

كنت تعرفهم جميعا وتقرأهم جيدا منذ البداية، قررت أن تكمل لأنك تريد أن تتعرف أكثر على هذا العالم، أو بمعنى أصح دون ادعاء للحكمة بأثر رجعي لأنك لم تجد شيئا آخر تفعله .
تنسحب إلى داخل نفسك مثلما تفعل دائما إذا خاب مسعاك أو إن لم تجد ما كنت تصبو إليه، وبعد شهور قليلة تعرف أن (مجاهد كرشة) قُتل في مشاجرة وانفرط عقد الشلة إلى جماعتين منفصلتين بفعل الخوف أو لأن الأشياء دائما تجري بهذا الشكل، وعدت وهيثم تهربون إلى لاشيء في كتب الجامعة كلٌ في كليته، وانحسروا جميعا وبقيت وحدك دونهم، والآن أنت لا تعرف هل كسبت أم خسرت كل ما تعرفه أنك واقف على قدميك منهك ومكدود ولم تجد ما تصبو إليه بعد .

الخميس، 6 سبتمبر، 2012

حُجاز كار



الحنة الحنة الحنة يا قطر الندى
شباك حبيبي يا عيني جلاب الهوى

رغم أن المناسبة كانت زفافا إلا أن اللحن الحزين وشى بما يعتمل في نفوس المصريين وهم يودعون (قطر الندى) ابنة (خمارويه) حين زُفّتْ إلى رجل في سن أبيها أو أكبر، هذا اللحن الذي احتفظت به ذاكرة الموسيقى العربية الشعبية وتم استخدامه في كثير من المواويل والألحان العربية، ومن يسمع موال (فوق النخل) أشهر مواويل العراق والشام يجد النغمة قريبة جدا ربما كان اللحن السابق محوّرا أو لأنهما من ذات نغمة الحُجاز كار .

الحجاز كار الخاشع بقوة، الشجيُّ بخفة، هو النُبل الحزين، تراهُ في مسحة شجن رجل مستعصم لا يعترف بالألم بسهولة، في رفة صوت المحارب المرهق بعد عودته منتصرا يبحث عن الأحباب المفقودين، في شقوة العاشق المُبتلى الذي لا يفصح وتوقِعُهُ زلة اللسان .

ليس متباكيا حزينا عن عمدٍ كالصبا ولا نوَاحًا كالهُزام، يجسد الحزن على ما جلبته المقادير وصروف الدهر غير المتوقعة، يجسد تحمل الهزائم بصبر ولا يظهر الألم إلا في نغمتين فقط .

الحجاز كار هو الصوفي الذي هدّهُ الهوى والفناء في المحبوب فهام يوميء ولا يصرّح، يرى البرتقاليَ دفئا والشجر ناسكا يفرد ذراعيه للعصافير، يرى الوصل في كل باب والحزنَ مرحمة وتطهيرا وقلبه يفيض ولا ينقص، لا يأتي فجأة بل يتهادى، يتخمر رويدا رويدا حتى ينضج ويستوي شجنا متشعبا أصله في الأرض وفرعه في السماء .

في هدأة الليل يتجلّى ويطيب، تسمعه في مناجاة الريح للصفصاف، في آذان الفجر بين النوم والصحو، مخمليٌ خريفي خفيف، يعبر المنصتين فيملك عليهم قلوبهم ولا يستطيعون رده .

يرف في قلبك حين تمشي وحيدا خاليا من كل شيء سواك وترى ضوء النيون من بعيد يضيء وينطفيء وتسأل عن حجم الدفء في الغرفة، هو كل إيحاءٍ خفي في كلام البنت وعيونها، وتر مشدود بخفة إلى أقاصي الدم، يتحيز إلى حيرة البريء وخوفه من العالم المجهول، هو الحزن الشفيف المتواري المخلص أبدا لصاحبه .

ومن يجسد الحُجاز كار غير المتوحد البهي رياض السنباطي