الأربعاء، 7 ديسمبر 2011

الحرّيف وشاعرية الصورة

فيه ناس بتلعب كورة في الشارع
وناس بتمشي تغني في الشارع
تاخد صورة في الشارع
فيه ناس بتشتم بعض تضرب بعض
تقتل بعض
في الشارع
فيه ناس تنام ع الارض في الشارع
وناس تبيع العرض في الشارع
وفي الشارع
أخطاء كتير صبحت صحيحة
لكن صحيح هتكون فضيحة
لو يوم نسينا وبوسنا بعض في الشارع

قصيدة أمينة جاهين أول ما نراه في الفيلم، ثم نسمع موسيقى ( الشوارع حواديت )،ونرى فارس ( عادل إمام ) وهو يجري لاهثا .

الفيلم يحكي عن فارس لاعب الكرة الشراب الذي تخلّى عن كل شيء من أجل كبريائه، إعتدى بالضرب على مدربه في نادي الترسانة، طلّق زوجته واعتدى عليها بالضرب أيضا، ليس له إلا عمله في مصنع الأحذية ولعب الكرة الشراب، وابنه بكر الذي سماه تيمنا بأبيه .
يسكن فارس على سطح أحد العمارات؛ تحدث فيها جريمة قتل، ويكون هو أحد المشتبه فيهم بطبيعة الحال، فيتعرض للمضايقات من ضابط المباحث، إلى جانب متاعبه الأخرى من ناحية زوجته التي رفعت ضده قضية تطلب فيها الطلاق وحضانة ابنهما، ثم جاءت لتخبره أنها ستتزوج برجل في سن جدها، وعجزه عن تلبية متطلبات ابنه،  ومتطلبات أبيه صانع الأقفاص الفقير . وإلى جانب هذا كله يأتي قريب له من البلد ليخبره بوفاة أمه، ويطلب منه أن يدبر له عملا  .

يقابل صديق صباه القديم الذي تزوج بامرأة تكبره بعشرين عاما وفتح معرضا للسيارات ويعمل مهربا، فيقنعه بالعمل معه، والعدول عن حياة الشارع ولعب الكرة الشراب، وفي النهاية يصل فارس إلى نهايته المحتومة ويستسلم للإغراءات .

كم كبير من الأحداث يتشابك عند فارس، ونرى من خلال الفيلم مقطعا طوليا للطبقة دون المتوسطة في فترة الثمانينات أيام عصر الانفتاح، وفارس يمثل اللامنتمي، بكبريائه واعتزازه بذاته، وتهوره واندفاعه وإنسانيته .

شاعرية الصورة :
نجح العبقري محمد خان في تعميق الإحساس بكل مشهد في الفيلم عن طريق الارتكاز على التفاصيل الصغيرة جدا والتي تتسرب إلى وعي المشاهد وهو غير منتبهٍ إليها، يهتم باختيار الأغنيات في الخلفية، فيجعلها بطلا في أغلب المشاهد إن لم يكن كلها، مشاهد المقهى كلها كانت الأغنيات فيهاعاملا مؤثرًا، وكأن الأغنية تقول معنى خفيا تحفّظَ المخرج عليه فلم يظهره، أو تكمل جزءًا ناقصا، والحوارات الجانبية بين الأشخاص في دائرة الكاميرا حول الأبطال، أعطت انطباعا بالواقعية والحميمية، تلك التفاصيل التي لا يسعنى أن أتكلم عنها هنا، فهي تحتاج أن تشاهد الفيلم أكثر من مرة، وسوف تشعر بالفيلم يتسرب إليك مشهدا مشهدا دون أن تدري  .


وهذا الاهتمام بالتفاصيل، وإرسال الإيحاءات الخفية عبر الصورة من السمات الأساسية لأفلام خان، فنجدها في كل أفلامه فهو يريد مشاهدًا فطنًا ذكيًا، يدرك مغزى التفاصيل ما ظهر منها وما خفي، لينفذ العمل الفني إلى روحه مباشرة، ويخاطب عقل المشاهد وحسه كأنه يدعوه لكي يشتبك ويكون أحد الأبطال .

وساعد في إظهار هذه الشاعرية والرهافة، الحوار الرائع الذي كتبه بشير الديك، فقد عمل على إبراز مكنون الشخصيات جميعا بلا مباشرة، بل بطريقة أقرب إلى التصريح الغامض إن جاز التعبير، والتناغم واضح بين محمد خان وبشير الديك، واجتماعهما معا في كتابة القصة أدى إلى خروج الفيلم بهذه الشاعرية والانسجام التام بين عناصر العمل .

والعامل الثالث هو موسيقى الشوارع حواديت لـ هاني شنودة، التي استخدم فيها البيانو بأرق وأبسط شكل ممكن، وتآلفات الآهات مع الموسيقى، عمّقتْ الإحساس بالوجع والحنين والوحدة، ومن الجدير بالذكر أن هذه الموسيقى صارت فيما بعد لحنا لأغنية (الشوارع حواديت) التي غناها صلاح جاهين وإيمان يونس .

كلهم أبطال :-

من الأفلام القليلة التي ينجح فيها المخرج بوضع كل الممثلين تحت دائرة الضوء، وأستطيع أن أقول أن ليس في الفيلم شخصيات ثانوية، كل الشخصيات مرسومة جيدا – ويعود الفضل لبشير لديك – منحوتة بدقة واقتدار، ونجح محمد خان في إخراج الشخصيات من إطار الورق إلى إطار الصورة في سلاسة عبقرية .

دلال الزوجة مهدرة الكرامة الموجوعة من إساءة معاملتها، يمنعها كبريائها من العودة إليه رغم أنها تحبه بعدما ضربها وكسر لها ضلعين، فرفعت ضده قضية وطالبت بحضانة ابنهما، وتحاول إغاظته بإخباره أنها سوف تتزوج من موظف " قد الدنيا " وهو عبد المجيد افندي الذي يكبرها بعشرين عاما، وكأنها ترمي بنفسها إلى التهلكة لمجرد أن ترد له الصاع صاعين؛ قامت بأداء الدور فردوس عبد الحميد .

رزق الاسكندراني الأعرج الذي يقوم بدور يشبه وكيل اللاعب، فيستغله ويجمع المال من وراءه، ويحرص خان على إشراك المشاهد في العمل ويذكر سبب إصابة قدم رزق في الترام في الإسكندرية حيث كان يعمل نشالاً، فهو بهذا أعطانا سبب عرج رزق، ولطبيعته الدنيئة؛ قام بأداء الدورعبد الله فرغلي .

عبد الله الطيب البسيط، يمنعه الفقر وقلة الحيلة من تلبية احتياجات بيته، ونجده طيلة الوقت يتشاجر مع زوجته، ونرى كيف أصبح قاتلاً دون قصد، ونهايته المأساوية حين وقع من على السطح والشرطة تطارده، وفارس يهمس " منعول أبو الفقر "؛ قام بأداء الدور نجاح الموجي .

سعاد المرأة المطلقة اللعوب، تسعى للإيقاع بفارس، وتحاول طيلة الوقت إغرائه بشتى الطرق، ليتحول بأي طريقة من خانة العشيق إلى خانة الزوج، هي لا تسعى إلى فارس بحد ذاته، بل إلى أي رجل يستطيع أن يكفيها شر النزول إلى الطرقات، وطريقة إقناعها كانت بإقامة علاقة جنسية معه؛ قامت بأداء الدور زيزي مصطفى .

محسن الفتى الريفي الساذج، جاء من القرية – قرية فارس – ليخبره أن أمه توفت، فينسى ويطلب منه أن يساعده على إيجاد عمل مناسب في تلك المدينة التي لا ترحم، فيعمل مكان فارس في مصنع الأحذية بعد طرده، ونجده في النهاية يسير مع سعاد؛ قام بأداء الدور حمدي الوزير .

عم مورور الملاكم القديم، يؤجر شِباك المرمى ولمبات الإضاءة لإقامة دورات الكرة الشراب، مازال يتغنى بالأمجاد القديمة، والغنى الماضي، وكيف أنه أكل ذات يوم خروفا بأكمله على سبيل الرهان .
لا أعرف اسم الممثل ولكن من يرى صورته سيعرفه على الفور، والدور لم يبعد كثيرا عن أداءه في أدوار أخرى – حتى نفس الملابس- ولكنه أضاف لمحة إنسانية ما، وخاصة في مشاهده مع فارس، نرى في عينيه نظرة أبوية.

أما عن فارس بطل الفيلم الذي قام بدوره عادل إمام ، فهو مثال للـ Anti-Hero، فليس لديه أي ميزة لكي تتركز الأضواء عليه ولا يصلح أن يكون بطلا لفيلم، ليس وسيما ولا قويا، ولا يصلح لأي شيء، هو مجرد لاعب كرة شراب من الذين تمتلئ بهم الشوارع، وهو العنيد الذي يمنعه كبريائه من مداهنة أو نفاق أي شخص، ولا يسمح لنفسه أن يكون عضوا في أي دائرة كانت، فهو اللامنتمي في زمن الانفتاح، يريد أن يعيش حرا، ولا يرضى أن تُجرح كرامته لأي سبب، لا يتوسل، ولا يرجو أي شيء من أي شخص، مكتفٍ بذاته، ولكن هذا الوضع سيتغير تماما وسوف يرضخ لزمن الانفتاح أمام إغراءات المال، ويعمل مع صديقه في تهريب السيارات حيث لم يكن لديه سبيل آخر .

وعلى مدى الفيلم، إحتفظ عادل إمام بأداء ثابت تقريبا، جيد في مجمله، ولم يستخدم تعبيرات وجهه التي يستخدمها للإضحاك، بل ولم يتسم أداؤه بالكوميديا سوى في لقطة أو اثنتين على الأكثر، وحافظ على أداءه للشخصية بكل جموحها، وإنسانيتها، وهي نقطة تحسب له، فهو يعرف جيدا أن هذا الفيلم لا يحتمل مثل هذه الأشياء على الإطلاق .

Master Scenes:-

القاعدة تقول أن أي فيلم مهما كان عبقريا لا يحمل سوى مشهد أساسي واحد أو اثنين على الأكثر أو بلغة السينما Master Scenes، وأرى أن هذا الفيلم يحمل العديد منها أو على الأقل هي مشاهد غاية في الأهمية، وتحمل قدرا أكبر من الشاعرية التي يحملها الفيلم ككل .

المشهد الأول :
فارس وعبد الله خارجان من القسم يمشيان في البرد، فيطلب قائد السيارة المعطلة " زقة " فيبكي عبد الله وهو ينظر للسيارة التي سارت بسرعة، وكأنه يتحسر على حاله بوقفته في البرد، وتتعالى موسيقى الشوارع حواديت كأوضح ما يكون، ولكن مهما قلت فكلامي لن يكون بروعة المشهد، وعلى كل حال ها هو :

المشهد الثاني :
فارس يبكي على السطح بعدما علم بوفاة أمه، فيقابل جارته المومس، ويخبرها بوفاة أمه، تصمت قليلا وتقول : " عندي نص ازازة كونياك هادخل اشربها "، وتترك الباب مواربا، فليس لديها أي شيءسوى نصف زجاجة كونياك وقضاء ليلة معها لتواسيه ومن الغريب والجدير بالذكر أيضا، أن الممثلة لم تتهتك أو تبتذل في مشهد واحد، رغم أنها تلعب دور عاهرة .

المشهد الثالث :
عرفت الشرطة أن عبد الله هو قاتل المرأة العجوز القاطنة في العمارة فراحت لتقبض عليه، وأقنع الضابط فارس لكي يخرجه من الغرفة، حيث كان يحمل سكينا ويهدد بقتل أولاده وزوجته، وبعدما اقنعه فارس، خرج جريًا وقفز من فوق السطح فمات، فنظر فارس إلى زوجته الباكية واولاده بائسي الحال وهمس : " منعول أبو الفقر " .

المشهد الرابع :
دخل فارس مع صديقه شعبان المهرب الذي قام بدوره فاروق يوسف إلى صالة ديسكو ليباركا عقد الشراكة بعدما وافق فارس على العمل معه، فنجده يقف أمام شقراء أجنبية وسط صخب الموسيقى وهو " يُنَطِّق " كرة صفراء صغيرة ببراعة مذهلة، وشعبان صديقه يقول إعجابا : " يا ابن الكلب ! " .
وكأنه غير مكترث بالشقراء التي أتاحت له فرصة الرقص معها ووقف ليقول " أنا أهو " .

الفيلم علامة مهمة في تاريخ السينما المصرية، ومن أهم أفلام محمد خان على الاطلاق، رغم أنه لم يُشاهد بشكل كبير، ولم يُحتفَ به ولا بمخرجه الاحتفاء اللائق كما هي العادة  .
الفيلم بطولة :
عادل امام – فردوس عبد الحميد – عبد الله فرغلي – نجاح الموجي – فاروق يوسف – حمدي الوزير– ولاء فريد – زيزي مصطفى – لمياء الأمير- صبري عبد المنعم

قصة : بشير الديك ومحمد خان
حوار : بشير الديك
موسيقى هاني شنودة
انتاج : 1983
مونتاج : نادية شكري
مدير تصوير : سعيد شيمي

هناك 6 تعليقات:

  1. اشكرك على ذوقك ..

    ردحذف
  2. العفو يا فندم
    ومبسوط ان البوست عجبك

    ردحذف
  3. بتهيألي اني لم اشاهد الفيلم من قبل .. ولكن بوستين عنه في يوم واحد " هذا وعندي اختنا نوران اخر ايام الخريف " .. يبقى لازم اشوفه ..

    اعجبني الوصف والشرح باستفاضة عن الفيلم .

    وبصراحة استمتعت بالقراءة كثيرا ..

    شكرا لمجهوداتك ..

    ردحذف
  4. أنا كمان اتفاجئت لما شفت البوست عند نوران وكتبت كومنت هناك !

    شكرا ان البوست عجبك وانا هاحاول اجيبلك رابط تحميل عشان تشوفيه

    ردحذف
  5. من أروع ما قرأت عن "الحريف"..

    ردحذف

لا تجلسْ على العتباتِ
كالشحَّاذِ أو جابي
الضرائبِ
لا تكنْ شُرطيَّ سَيْرٍ في الشوارع
كن قويّاً ، ناصعَ الفولاذ ، واخلَعْ عنك أَقنعةَ
الثعالبِ
كُنْ فروسياً ، بهياً ، كاملَ الضرباتِ . قُلْ
ماشئْت .