الاثنين، 5 ديسمبر، 2011

المسيري وحلم تأسيس حداثة إسلامية

في خضم الأحداث الجارية ، وسط صخب الانتخابات ، وقذارات الداخلية ، وتحايل المجلس العسكري ، وقلق الناس من وزارة الجنزوري الجديدة ؛ رأيت أن أختار أحد المفكرين الكبار الذي أثروا بكتاباتهم في الفكر الإسلامي ؛ إخترتُ أن أتكلم عن د.عبد الوهاب المسيري الذي أغفلنا قيمة فكره وكتاباته ، عندما التفتنا إلى كتابات مفكرين أقل قيمة وقدرًا ، وإلى كلام الجهلاء المتسلقين على الإسلام ، ولنقارن ونرى أي فكر أحق وأقدر على إقامة مجتمع إسلامي خالٍ من التعصب ، يحمل على عاتقه تطبيق مبادئ الإسلام الوسطي ، وربما اخترت هذا الموضوع الآن لأنني أرى أن نهضة وصلاح هذا البلد لن يكون إلا من خلال استنارة الفكر ، حتى لا يستغل المدعون جهل الجاهلين وغفلة الغافلين فيحركونهم كيفما شاءوا ولأي غرض يريدون .

المسيري من مواليد عام 1938 في مدينة دمنهور ، نشأ في أسرة ريفية ثرية ، معتمدا على ذاته دون الاعتماد على ثروة أبيه ، ويقول في هذا الشأن : " هذا النشأة جعلتني باحثا مثابرا ، كان أبي يقول لنا علينا أن نعتمد على أنفسنا دون الالتفات إلى ثروته زادت أم نقصت ، كنت أشكو من هذا آنذاك ، ولكنني تعلمت فيما بعد ، عندما ازددت حكمة ، أنه نفعني كثيرا بذلك " .
التحق بكلية الآداب جامعة الإسكندرية ، وعين معيدا بعد تخرجه عام 1959 في قسم اللغة الإنجليزية ، وسافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية عام 1961 للدراسة وحصل على الماجيستير في الأدب الإنجليزي والمقارن عام 1964 من جامعة كولومبيا ، ثم حصل على الدكتوراه عام 1969 من جامعة رتجرز .
ويمكن الحصول على معلومات أكثر عن طريق صفحته في ويكيبيديا أو موقعه : هنا

وقد تحمل كتابات د. المسيري قدرًا من التعقيدات الفلسفية واللغوية التي حاولت قدر الإمكان أن أبسِّطها ولكن دون إخلال بالمضمون الأساسي ، والمقاطع باللون الأحمر إقتباسات من أعماله .

1-  نقد الحداثة الغربية :-
المفهوم الأساسي في كل كتاباته هو " نظرة الإنسان للعالم " ، وعلاقته بالطبيعة والمادة من حوله ، وعلاقته بالله الخالق الأعظم– عز وجلّ- ، لذلك فهو يرفض تماما فكر الحداثة الغربي ، وينقضه من أساساته في أغلب كتاباته ، ويرى أنه فكر غير إنساني ، ويُحوِّل الإنسان إلى كائن شهواني ، لا يلتفت إلا إلى رغبات جسده ، ويرصد كيف تحول الإنسان في المجتمعات الغربية إلى كائن استهلاكي أغفل تماما الجانب الروحاني .
" هناك معجم شامل من الألفاظ والمصطلحات السلبية التي تعبر عن الفكر الغربي ، والتي أدت إلى الانحراف عن الجوهر الإنساني ، فالإنسان ليس كائنا طبيعيا ماديا ، إنه يعيش في عالم الطبيعة والمادة ، ولكن توجد فيه النفحة الإلهية ، فالإنسان إشارة إلى ماوراء السطح المادي ، وبالتالي فإن حياة الإنسان مرتبطة بالله سبحانه وتعالى " . حوار.( المسيري يسعى لتأسيس حداثة إسلامية ) .

ينقد فكر الحداثة الغربي بمصطلحاته التي تذهب بالإنسان نحو العدمية ، والإلحاد ، ورفض وجود الإله ، من خلال العديد من المفاهيم ، مثل : ( نزع القداسة عن العالم .. حيث لا يوجد أي شيء مقدس في هذا العالم ) ، ( وتشيؤ الإنسان .. حيث الإنسان في نظر الحداثة الغربية ما هو إلا شيء مثله مثل الآلة الجامدة ، والكرسي ، والقلم ) فهو كائن جامد ، لا اعتبار للروح فيه ، وهي النفخة الإلهية التي لا يكتمل إلا بها ، والفكر الغربي يعتبر الإنسان شيئا ، مجرد ترس بسيط في آلة ضخمة هي المجتمعات الغربية ، التي تشبعت تماما بالفكر العلماني حيث الإنسان لا وظيفة له سوى الاستمتاع واستحضار اللذة في كل أنشطته ، وحيث تناول الطعام وشرب الكحوليات والجنس– بغض النظر عن منظومة الزواج - هي أعلى وأفضل الأنشطة الإنسانية .

والحداثة : هي مجموعة من التغيرات والتحولات بعينها في المجتمع الغربي ، وبالنسبة للمسيري :" هي عملية مستمرة تعبيرا عن نظرة معينة إلى العالم ، فليس المهم هو المظاهر القائمة في المجتمع لأنها متغيرة باستمرار ، بل المهم هو النظرة إلى العالم ورؤية الكون "
والفكر الغربي يعرف الحداثة على أنها عملية اجتماعية قائمة على تحرير العقل ، ونقد القدامى ، ومسئولية الإنسان وحريته ، واستخدام العلم لمصلحة الإنسان ، ويرى أنها شعارات مقبولة من حيث المبدأ ، ولكنها في جوهرها تهدف إلى خلق مجتمعات لا قداسة فيها إلا للإنسان وحده ! .

ويتكلم عن متناقضات الحداثة الغربية ؛ فيقول :
" إكتشف الإنسان الغربي بعد 4 قرون من التنوير والاستنارة ، أنه لم يقض على كل الشرور أو معظمها في العالم ، لأنه لو كان الأمر كذلك لما ظهرت حركة عنصرية كاسحة في القرن التاسع عشر ، ولما ظهر تشكيل إمبريالي شرس أباد الشعوب وأذلها ( أمريكا ) ، ولما اندلعت حربان عالميتان غربيتان ، ولما ظهرت حكومات إرهابية غربية تبيد الشعوب ، ولما حدث تلوث البيئة والتلوث النووي ، ولما ظهر الإيدز ، ولما تفككت الأسرة ، ولما ظهرت الإباحية ، ولما شعر الإنسان الغربي بالاغتراب و العدمية " من كتاب ( فكر حركة الاستنارة وتناقضاته )

وأقول ببساطة شديدة ولكنها غير مخلة : أن فكر الاستنارة يعني رؤية مادية للكون ، بغض النظر عن الجانب الروحي للإنسان ، وبغض النظر عن القيم الأخلاقية كالعدل ، فهو منتهك تماما في الفكر الحداثي الغربي ولا يسعى إلى تطبيقه بين بني آدم من الأساس ، والعقل قادر – وحده – على فهم العالم وفهم الحقيقة الكاملة ، بل ويذهب الفكر الغربي إلى أبعد من ذلك ويضع العقل بديلا للإله ! .

2-دراسة الحركة الصهيونية :
" لي كتاب سيصدر خلال شهر أو اثنين اسمه ( اليد الخفية ) ما أحاول أن أفعله في هذا الكتاب ، أن أثبت أن اليهود بشر، حيث أن الكثيرين من المعادين لليهود يبالغون كثيرا في قدراتهم وينسبون إليهم أفعلا عجائبية خارقة ، تجعل منهم شياطين معجزين ، معتقدين أن هذا سوف يحرض العالم ضدهم ، رغم أن هذا الفكر ليس إلا مبرر للهزيمة ، وبما أنهم بشر فيجب ألا نخاف منهم ، وندرك أن الحوار معهم ممكن ، ويمكننا أن نتصارع معهم ونهزمهم " حوار . ( الوعي بالآخر ضرورة حتمية )

دراسة الصهيونية عند المسيري اتسعت لتشمل كل العوامل المرتبطة بالصهيونية كظاهرة اجتماعية وسياسية ، تسعى لتفسير ودراسة الحركة الاستعمارية الصهيونية ، والإبادة ضد الشعب الفلسطيني ، وبذلك يمكن التنبؤ بمستقبل إسرائيل ومستقبل الصهيونية .
ويطرح المسيري بناءا على دراساته للصهيونية واليهودية عشر علامات لزوال دولة إسرائيل :
1- تآكل المجتمع الصهيوني في إسرائيل ، حيث أنه مكون من عدة قوميات مازالت في صراع إلى الآن ، وهذا الصراع سوف يقوض أعمدة الدولة اليهودية .
2- الفشل في تغيير السياسات الحاكمة في إسرائيل ، فهي من فساد إلى فساد .
3- كثرة النازحين من إسرائيل ، فقد رصدت الإحصاءات نزوح مليون مواطن إسرائيلي من أصل ستة ملايين .
4- العداء الديني والسياسي المستمر بين الأحزاب العلمانية والدينية .
5- فشل تحديد ماهية ومعنى الدولة الإسرائيلية ، حيث عجز كبار الحاخامات عن تحديدها .
6- عدم اليقين من مستقبل إسرائيل ، حيث قال " شيمون بيريز " في إحدى الحوارات أنه غير واثق من بقاء إسرائيل 10 سنين أخرى .
7- عزوف الشباب الإسرائيلي عن الحياة العسكرية ، ومع مرور الوقت ستنهار الحياة العسكرية .
8- تحول إسرائيل إلى عبء على الإستراتيجية والعسكرية الأمريكية .
9- إستمرار المقاومة الفلسطينية .
10-  والعامل الأهم بقاء السكان الأصليين ممثلا في الشعب الفلسطيني .
ويذكر المسيري هذا القانون:
أن الجيوب الاستيطانية ( أي الدول الاستعمارية ) تنقسم إلى قسمين : القسم الأول يتمثل في القوى الاستعمارية التي استطاعت القضاء على السكان الأصليين ( أمريكا واستراليا ) والقسم الثاني يتمثل في القوى الاستعمارية التي لم تستطع القضاء على السكان الأصليين ، وإسرائيل من النوع الثاني .
حوار . المسيري يحدد عشر علامات لزوال إسرائيل . إسلام أون لاين

3-إنشاء حداثة إسلامية :
المسيري يؤكد على ضرورة إنشاء حداثة إسلامية ، بدون الانغلاق على الذات ، أو عن الحضارات المعاصرة ، فالحداثة في مضمونها المشاركة في الحضارة الإنسانية ، ولكن هذا لا يعني أن نتبع الحداثة الغربية بكل مساوئها التي ذكرناها قبلا .

الحداثة لها ثمن إنساني مرتفع ، وقد نجحت منظومة الحداثة الغربية في تقديم نفسها ، حيث تقدم أفلام هوليود ، والأفلام الإباحية ، وبلاشك تقدم الأفلام الإباحية لذة ومتعة ، ولكنها تأتي على حساب تفكك الأسرة ، وانهيار المجتمع "حوار . المسيري يسعى إلى تأسيس حداثة إسلامية حديثة .

ويعبر المسيري عن مفهومه لإقامة حداثة إسلامية معاصرة :
أولا : عليها أن تعترف بحدود العقل ، وأن له وظائف معينة وحدود لا يمكن تجاوزها ، وعليه أن يدرك الفرق الكبير بين ما هو مادي وما هو إنساني ، على العكس من الحداثة الغربية التي تضع العقل مكان الإله .
"الاختلاف الأساسي هو أن الحداثة الغربية تفكك الإنسان وتعتبره شيئا ، وتحيله إلى ما هو غير إنساني ، وعلينا في حداثتنا الإسلامية ، أن نتجاوز هذه المادية نحو الإيمان المطلق بالله – رغم غيابه وعدم رؤيتنا له - ، وأن نؤمن بالأخلاق وبالقيم المطلقة.

وثانيا : على الحداثة الإسلامية أن تتبنى موقفا قويا من الأخلاق والقيم المطلقة مثل العدل – الذي تنكره الحداثة الغربية وتضع مكانه القوة – والحق والخير والجمال ، ومن الطبيعي أن يكون النظام الحداثي الإسلامي قائم على هذه القيم والأخلاق لأن الإسلام جاء بها وهي جوهر الإسلام وهي التي تعبر عن جوهره الإنساني الذي تفتقده المجتمعات الغربية .
إني أفرق بين العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة ، فمعظم العلمانيين العرب يؤمنون بالعلمانية الجزئية ، أي علمنة المجال السياسي ، ويظلون مؤمنين بالقيم الدينية والقيم الأخلاقية ، وهذا على عكس العلمنة الشاملة التي تطالب بعلمنة جميع المجالات : مثل علاقة الرجل بالمرأة ، وعلاقة الإنسان بالله ، وعلاقته بمجتمعه بشكل عام .حوار . المسيري يسعى إلى تأسيس حداثة إسلامية حديثة .

ثالثا : تطبيق الجانب الإجرائي من العلمانية ( أي الجانب السياسي ) ، وإبعاد الجانب الفلسفي الذي ينسحب على الدين بما يحتويه من أخلاق وقيم .
فالعلمانيون في الغرب يؤمنون بالعلمانية المطلقة ، وأعتقد أن العلمانيين العرب سيرفضون الإباحية ، والشذوذ الجنسي ، لأنهم يؤمنون بالقيم المطلقة ، أما في الغرب فيكون الشذوذ والإباحية حق من الحقوق ومجالا من مجالات الإبداع " حوار . الوعي بالآخر ضرورة حتمية .

أدعو إلى حداثة هدفها هو العدل ، وليس الهدف هو التقدم إلى ما لانهاية ، بل السعي نحو إقامة توازن مع الذات ومع البيئة ، والإدراك العميق لإنسانية الإنسان ، وإيمانه المطلق بخالقه ، وبالقيم التي تؤكد على بشريته وإنسانيته .

هناك تعليقان (2):

  1. انا دخلت ابص بصة ع المدونه ... لقيت كلا كبير ... وحاجات كده ... وبينى وبينك انا مقاطع الكلام الكبير بقالى فتره ...وعايش ف اعلى مراحل ادينى ف الهايف وان احبك يا فنناسس ... بس والله انا حاسس انك كاتب كلام كويس ... طالما قلت عبد الله المسيرى ... يبقى انت بتكلم صح ...!

    عظيم تقديرى واحترامى لشخصكم الكريم

    ردحذف
  2. يا باشمهندس كفاية انك منورني
    زيارتك لوحدها تفرحني جدا
    بس ياريت متبقاش آخر مرة
    :)

    ردحذف

لا تجلسْ على العتباتِ
كالشحَّاذِ أو جابي
الضرائبِ
لا تكنْ شُرطيَّ سَيْرٍ في الشوارع
كن قويّاً ، ناصعَ الفولاذ ، واخلَعْ عنك أَقنعةَ
الثعالبِ
كُنْ فروسياً ، بهياً ، كاملَ الضرباتِ . قُلْ
ماشئْت .