الاثنين، 14 نوفمبر 2011

المحظورات الثلاثة .. الجنس ( 4 )


لو تأملنا قليلا كل الأعمال الأدبية العظيمة في كل أصقاع العالم منذ بداية الخليقة حتى الآن – بما فيها الرعويات الشفهية والأساطير - سنجد أن الجنس هو العامل المشترك بينها جميعًا ! ، لا أميل إلى التعميم فهو كسل عقلي وحيلة من حيل قليلي الثقافة ؛ ولكن بشكل ما نجد الجنس في أغلب الأعمال الفنية الجيدة – الموسيقى والنحت والفن التشكيلي – إما أن يكون دافعا للعمل الإبداعي فنجده يظهر بشكل خفيٍّ جدا ، أو هو ركن أصيل من أركان العمل الإبداعي .

لن أذكر أشعار نزار قباني الممجوجة السخيفة ولا روايات إحسان عبد القدوس الرديئة المفضوحة التي تكتب الجنس للجنس أو لكسب الجمهور ، بل سأتكلم عن الأعمال الراقية التي تعاملت مع الجنس برقي وشفافية ، أو تكلمت عنه كفعل إنساني عادي ، دون تحقير ولا تعظيم .

في تراثنا العربي سنجد مثلا قصيدة كعب بن زهير ( رضي الله عنه ) الشهيرة التي يمدح فيها سيدنا النبي ( صلى الله عليه وسلم ) والتي مطلعها :
بانت سعاد فقلبي اليوم متبولُ
متيم إثرها لم يفد مكبولُ
على نسق التقاليد الشعرية القديمة يبدأ بأبيات النسيب ، والقصيدة فيها أبيات من الغزل الصريح حين يقول :
هيفاءُ مقبلةٌ عجزاءُ مدبرةٌ
لا يُشتكى قِصَرٌ منها ولا طولُ
هنا يصف قامة المرأة ، بل ويتكلم عن مفاتنها ، ولمن لا يعلم معنى كلمة ( عجزاء ) ليبحث عنها ! ، والمقصود أن الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) لم يسكته بل تركه حتى أكمل القصيدة – وهي من الروائع التي قيلت في مدح سيد الخلق– ولم يأخذ عليه ما قال وخلع عليه بردته ، والواقعة مشهورة في كتب السيرة .

كتب يوسف إدريس عن الجنس ببراعة وخفة وجمال في مجموعتيه أرخص ليالي ، وبيت من لحم ، ونجيب محفوظ في العديد من أعماله ، وجدناه في أشعار الصوفيين – لا من حيث المعنى وإنما من خلال هذا النَفَس الشعري الغني الشفيف - ، عند لوركا وقصائده الإنسانية في قصائد الغناء العميق ، عند أمير الشعراء الجاهليين امريء القيس في معلقته الشهيرة ، عند ديستويفسكي وكيف شرّح النفس البشرية وغاص في أعماقها ؛ فكشف لنا عن مصادر هذا النبع ، نجده عند ريلكه ، جوته ، عذرا باوند ، جان جينيه ؛ وكم حملت أعمالهم قدرا كبيرا جدا من الصدق الفني والإبداعي حين تكلموا عن تجاربهم الخاصة جدا ، ولم يكتبوا تجارب باردة مفتعلة لم يخوضوا غمارها لمداعبة خيال القارئ أو إثارة شبقه .
ولا يسعني المقام هنا أن آتي باقتباسات من كل هؤلاء الرائعين- ومن يسعَ سيجدْ - ولكن كما أقول دائما ، لنتعامل مع الأمر بموضوعية ، ولا تفزعنا اتجاهات بعض مدعي الحداثة في كتاباتهم عن الجنس ، فما هذا إلا تشويه لمعنى الجنس والفن معا .

وبكل بساطة الجنس هو كل معنى خَفى عنك ولمسته روحك في لحظة ما ، هو كل شيء غامض شفيف ، هو إحساس النشوة ساعة المطر ، طلب الدفء وقت الوحدة ، شكل الزهرة المنحنية وهي تستقبل الندى ، إمعان الهدوء في الليل ، كل هذه الأشياء تولد ذات الإحساس بالنشوة التي يولدها الجنس في أرقى حالاته ، ولن يفهم هذه الإحساس ويترجمه إلا من أصاخ السمع وتأمل قليلا .

هناك تعليقان (2):

  1. جئت هنا من تعليقك في مدونتي..
    (الطريقة القديمة لنشر مدونة أن تعلق في مدونات الآخرين(ضحكة خبيثة) )

    أخذت جولة، راقت لي مدونتك :)

    ردحذف
  2. ما أكثر تصرفاتنا الخبيثة المسليةالتي تأتي بالأعزاء:)

    أشكرك على إعجابك بالمدونة ، وأتمنى أن يدوم

    ردحذف

لا تجلسْ على العتباتِ
كالشحَّاذِ أو جابي
الضرائبِ
لا تكنْ شُرطيَّ سَيْرٍ في الشوارع
كن قويّاً ، ناصعَ الفولاذ ، واخلَعْ عنك أَقنعةَ
الثعالبِ
كُنْ فروسياً ، بهياً ، كاملَ الضرباتِ . قُلْ
ماشئْت .