الأربعاء، 16 نوفمبر 2011

المحظورات الثلاثة .. السياسة ( 2 )


في رائعته (1984) تنبأ الروائي الكبير جورج أورويل بما سوف يحدث في السياسة العالمية ، والرواية مكتوبة في الأربعينات ، أي أنه تنبأ بكل ما سيحدث بعد 40 عاما بشكل يكاد يكون حرفيًا ! ، والرواية تكشف أساليب الحكم الشمولي الديكتاتوري في أفظع صوره ، تحكي عن ونستون الذي يعمل في إحدى دوائر ( مؤسسات ) الحزب الحاكم وتحديدا فيما يعادل وزارة الإعلام في ( أوشيانيا ) التي تمثل بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية .

ونستون وكل المواطنين محاصرين دائما بـ ( التليسكرين ) تلك الأداة التي تراقب تصرفات المواطنين بشكل دائم ، وتذيع بيانات الحزب الحاكم ، إلى جانب صورة الأخ الأكبر الملصقة في كل مكان وتحتها كلمة ( الأخ الأكبر يراقبك ) ، وشرطة الأفكار التي تتجسس على من تسول له نفسه أن يفكر في أي شيء ضد الحزب ، أو أي شيء لم يسمح الحزب وقادته بالتفكير فيه ! .

يمر ونستون بأحداث كثيرة وكان دائما يفكر في ماهية الحزب وكيف تكون ومن هم القائمين عليه ، وأسئلة أخرى كثيرة ، وفي النهاية يقبض عليه ليكتشف أنه صار مثلما أرادوا له بالضبط ! وأنه كان محاصرا ومراقبا منذ البداية ، وأن كل الأشخاص الذي قابلهم وساعدوه – بمن فيهم الفتاة التي أحبها – لم يكونوا سوى أعوان للحزب ، وأدرك في النهاية أنه ليس أكثر من حشرة ضئيلة في خيط عنكبوت ضخم جدا اسمه ( الحزب الحاكم ) ! .
و إلى جانب الأساليب السابقة هناك أسلوبان مهمان جدا في الرواية :-
- أولا : المبادئ الثلاثة التي وضعها الحزب ويسمعها المواطنون ويرونها كل يوم وهي: 
  1- العبودية هي الحرية          2- الجهل هو القوة               3- الحرب هي السلام
- ثانيا : وجود عدو وهمي للدولة يقوم بالتخطيط دائما للحرب ، وتقويض مصالحها في العالم كله،متمثلا في ( جولدشتاين ) الذي صار من الواجب أن يكرهوه كالموت ، ويخوضون الحروب من أجل القضاء عليه ، أو من أجل الدفاع عن أنفسهم .
وتلك هي سبل أي ديكتاتورية تسعى للسيطرة على أي شعب في العالم ، سواء إن كانت ديكتاتورية عسكرية أو دينية .

وعلى مر التاريخ نرى كيف تم استخدام هذه الأساليب في السيطرة على العوام ، في العصور الوسطى سيطرت الكنيسة على أوروبا مستخدمة نفس الأساليب السابقة ، وهتلر عندما سيطر على ألمانيا استخدم نفس المبادئ بشكل يكاد يكون متطابقا ، فالعبودية للحزب النازي هي طريق الأمة الآرية كلها للتحرر ، والجهل هو القوة حيث كان الإعلام النازي يبث كل أفكاره من خلال الإذاعة والجرائد وإشعال حماس العامة ، ومنع أي مصادر قد تأتي بأي معلومات أخرى ، وقد أقنع هتلر ورجاله الشعب كله أن الدخول في الحرب سوف يجلب لهم السلام الدائم ليكونوا سادة العالم إذا سيطروا على أوروبا ، وكان عدوه الوهمي أي شعب لا ينتمي للجنس الآري ! ، وفي عصرنا الحالي فما تفعله الولايات المتحدة في العالم الآن خير دليل واقعي على ما سبق ! .

وفي مصر الآن نجد أباطرة الدعوة الإسلامية يدعون إلى العبودية في شكلها الأكثر اتساقا مع الإسلام- ليست عبودية لغير الله- وإنما استجابة تامة لكلام الشيوخ الأفاضل ، وجعل كلامهم فوق كل كلام ، فهي عبودية فكرية إذن ؛ والمبدأ الثاني حيث الجهل هو القوة فلديهم كل جهل حميد إلا الجهل بالعلوم الشرعية ، المبنية أساسا على فهمهم الخاص للدين ، وتأتي كل العلوم الأخرى في المرتبة الثانية ، مع استحباب عدم أخذها ، فهو قوي بدينه غني عما يقدمه له غير المسلمين ، والعدو الوهمي هم الليبراليون والعلمانيون والكفار المقنعون ، رغم أن تأثيرهم في الشارع المصري ضئيل جدا بالنسبة لتأثير الإسلاميين ! ؛ الآلة الإعلامية المتمثلة في القنوات الدينية التي تذيع قليلاً من الخير ، وكثيرا من التعصب والكراهية ، آخذة على عاتقها تعميق إحساس العوام بالذنب لأن ما يحدث بسبب ذنوبهم ليس إلا ! .

ولقد عرفنا في حكم المخلوع وأعوانه كيفية سيطرة الديكتاتورية العسكرية على مقاليد الحكم في بلد ما ، وعرفنا الجهل في الإضرار بالمنظومة التعليمية عن عمد ، وكيف تكون العبودية للحزب الوطني ، وأن السلام مع عدونا الدائم خير لنا ، عن طريق التجاور السلمي ، والتبادل التجاري والعلاقات الدبلوماسية الجيدة ! ؛ إلى جانب سيطرة الإعلام على أدمغة العوام بالصحف القومية الفاسدة التي تخبر المواطن أن الحال على ما يرام دائما ، ونشرات الأخبار التي لا تذيع سوى أخبار الرئيس وعائلته ، إلى جانب بعض الأخبار المكذوبة ، ومبارايات كرة القدم ، والتلفزيون غاسل المخ الذي لا يقدم أي شيء ذي فائدة ! .

وكل ما أخشاه الآن – وأظنكم مثلي – أن تتحالف القوتان العسكرية والدينية ، وأرى أن أي تحالف بينهما سيكون وبالا على الشعب المصري ، بعدما رأينا أحد الشيوخ الأفاضل يدعو للمجلس العسكري من فوق جبل عرفات ! ، إذن لننتبه جدا في هذه المرحلة ، ولنجعل وعينا منفتحا على الواقع السياسي بشكل أكبر ، لنعرف من سوف يقود البلاد في هذه المرحلة العصيبة ، خاصة وأن المجلس التشريعي ممثلا في أعضاءه سيكون لهم دور كبير في تشكيل الدستور المصري ، الذي سوف يحدد شكل الحياة الدستورية والسياسية في مصر في هذه المرحلة الجديدة ، التي نريد أن تكون للأمام لا إلى الخلف .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

لا تجلسْ على العتباتِ
كالشحَّاذِ أو جابي
الضرائبِ
لا تكنْ شُرطيَّ سَيْرٍ في الشوارع
كن قويّاً ، ناصعَ الفولاذ ، واخلَعْ عنك أَقنعةَ
الثعالبِ
كُنْ فروسياً ، بهياً ، كاملَ الضرباتِ . قُلْ
ماشئْت .