الثلاثاء، 15 نوفمبر، 2011

المحظورات الثلاثة .. السياسة ( 1 )


ربما كان الأمر يثير الشغف أكثر قبل الثورة المجيدة في الخامس والعشرين من يناير الماضي ! ، ولكن الآن صار الأمر دربا من التحدث فيما يتحدث فيه كل الناس ؛ وأنا أقصد الكلام في السياسة !
لم تعد ممنوعة أو من المحظورات مثل ذي قبل - إلا إذا سيطر الإسلاميون أو الجيش على السلطة ! - وساعتها سنعود إلى أسوء من ذي قبل ، ويصبح الكلام في السياسة محظورا ويكون كلامي هذا على المدونة أمرا شيقا حقا !
فبعد الثورة صار الكل مهتما بالشأن السياسي العام ، وتسمع تنظيرات البسطاء في الشارع المصري ، بما خبّروهُ من الشارع والحياة ، ونظرتهم للواقع ، والأهم من هذا كله فطرتهم وحدسهم فهو بمثابة البوصلة التي تحدد لهم الاتجاه الصحيح .

وهناك فئة أخرى تلك التي هاجمت ومازالت تهاجم الثورة وشبابها وغالبا هم من تلك الفئة التي يطلق عليهم ( الحلنجية ) التي انتشرت في عصر المخلوع من المستوردين النصابين والبلطجية المتعاونين مع وزارة الداخلية ، أو من ركنت أنفسهم إلى حياة العبودية ، وصارت أرواحهم أرواح خنازير ! .

إذن أعود وأقول أن السياسة لغة هي من ساس يسوس أي يقود ، ونقول في عاميتنا المصرية ( سايس الخيل ) أي من يأخذ بزمامها ويقوم على رعايتها ، واختلف تعريف السياسة اصطلاحا لاختلاف الرؤى والمذاهب والمدارس السياسية ، ولاختلاف التطبيق على الواقع ، فالواقعيون يعرفونها بأنها فن الممكن ، أي الاستفادة من معطيات الواقع السياسي والعمل على تغييره وإصلاحه ، والشيوعيون يعرفونها بأنها دراسة العلاقات القائمة بين الطبقات ، وهناك تعريفات شتى كما ذكرت سابقا أنا في حل من ذكرها جميعا فتلك ليست محاضرة على كل حال ! .

وللسياسة رجلان .. الأول القائد السياسي أو الزعيم الذي يقود شعبا ما نحو التغيير – سواء سلبا أو إيجابا – والثاني هو المُنَظِّر الباحث الخبير في الشئون السياسية ، الآخذ على عاتقه مهمة تحليل النشاط السياسي ، وهذا النوع الثاني صار دوره غاية في الأهمية بعد الثورة .

ومن قديم والسياسة داخلة في كل مناحي الحياة لأنها فعل إنساني ، وهي النظرية التي تبناها الاجتماعيون ولم تقم دولة متحضرة إلا وعرفت النظم السياسية التي أقامت دعائم الدولة ، ويخبرنا التاريخ عن قانون حمورابي ، وما عرفناه من نظم الحكم في الدولة الفرعونية ، ونظام الخلافة في الدولة الإسلامية ، والأمثلة كثيرة ، والمقصود أن أي جماعة من البشر يكون لهم نظام سياسي خاص وهذا النظام يتكون من الشعب ، والحاكم ، والدستور .

ومن المفترض أن يكون الشعب هو الحاكم الفعلي لدولته ، ولا أتكلم هنا عن الديمقراطية ، بل أتكلم عن روح القانون الإنساني الطبيعي الذي يعطي الحق لشخص ما في إدارة شئون بيته وأرضه ، فكما انتمى شخص لبلد ما ، فمن حق الدولة عليه نظرا لهذا الانتماء أن يكون له الحق في تقرير مصيره وتحديد منافعه وجلبها ، وتحديد المفاسد ودفعها .

فالشعب هو المالك الحقيقي للأرض ، والحاكم ما هو إلا خادم للشعب ونصير له لا عليه ، يلبي طلباته ورغباته – حسبما تقتضي المنفعة العامة – ولكن للأسف هذا الكلام ليس موجودا إلا في كتب العلوم السياسية النظرية ولم يتم تطبيقه – على حد علمي - على أرض الواقع حتى الآن !

ومع تطور البشرية صار من الصعب أن يستأثر رجل واحد بتحديد مصير أمة بأكملها فظهرت الأنظمة السياسية التي تنظم تلك العلاقة بين الحاكم والمحكوم وهو الدستور .
الدستور في حقيقته هو العقد الذي يتفق عليه الحاكم والمحكوم ، لينظم شكل العلاقة بينهما ، وهو أرفع وثيقة قانونية ، بل أقدس من القوانين نفسها ، وفيه تنظيم كامل للعلاقة بين الشعب والحاكم بداية من توزيع الثروات ومبدأ التكافيء بين كل أفراد الشعب ، وحتى شكل العلاقات الخارجية مع الدول الأخرى ، والمواد فيه كلماتها قليلة ، مقتضبة ، فالدستور يترفع عن التفسير فهو مهمة القوانين .

وإذا ارتضى الشعب هذا الدستور فعليه أن يلتزم بما جاء فيه ، وعلى الحاكم – الذي اختاره الشعب بكل حرية – أن يلتزم كذلك بكل مواده ، ولا يحيد عنها حتى لو رأى أن ما يخالف الدستور يكون في مصلحة الشعب .
والحاكم هو ذلك الرجل الذي توسم فيه الشعب قدرته على قيادته ، وتلبية رغباته – في حدود ما تقتضي المصلحة العامة – وهو رجل يتميز بكاريزما الزعامة ، عايش أغلب المحن والمشكلات التي مرت على بلده – مش مستورد يعني – خبير في العمل السياسي ، قادر أن يقود الرعية – التي اختارته – إلى حدود الكفاية الممكنة ، واستغلال كافة موارد الدولة لتحسين حياة الأفراد .

أما الحكام في مصر فحدّث ولا حرج ! ، ثورة العسكر في 23 يوليو لم تكن نقية تماما ، وتحول رجالها إلى ضباع ، يقتسمون البلد كما لو كانت عزبة أبوهم ، عبد الناصر – رغم تقديري له – لم يختره الشعب وإنما عرفه وأحبه الغالبية بعدما صار رئيسا ، السادات لم يأت بإرادة الشعب كذلك بل كان نائبا للرئيس ، وكذلك المخلوع – عليه لعنة الله – لم يختره الشعب ، وحتى لم يكمل المدة الدستورية بعد مقتل السادات ليتول مهام الرئيس ، فمنذ الفراعنة والحاكم إله ، وتحرفت الكلمة ليصير أبا ! ، طبعا أتكلم عن الأصوات المقززة التي تنادي باحترام المخلوع ، إلى جانب أنهم جميعا من العسكريين ، وعصر الرئيس العسكري لا بد أن ينتهي من الآن .

تلك هي طبيعة العلاقة – المفترضة – التي لا بد أن تسود ، وفي مصر لم نشهد هذا الشكل منذ أمدٍ بعيد جدا ، أو لم نشهده أبدا ! ، والأسباب أكثر من مجرد ذكرها هنا ، فنحن لا نريد خبير سياسي ليحلل لنا الأمر ، بل نريد عالم نفسٍ ليشرح الأسباب ويفصلها !

والآن ونحن على مشارف عهد جديد ، لنا أن نقرأ التاريخ جيدا ، ونعرف نظم الحكم في الدول المتقدمة سياسيا ، ونطلع على ما مضى من أخطاء جسيمة فعلها النظام السابق بحقنا ، نطلع عليها بعين حكيمة ، لنعرف ماذا كان يُفعل بنا ، ونصمم أنها لن تتكرر مرة أخرى ، لنضمن عهدا جديدا فعلاً ، ولكي لا تكون الثورة هباءً منثورا .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

لا تجلسْ على العتباتِ
كالشحَّاذِ أو جابي
الضرائبِ
لا تكنْ شُرطيَّ سَيْرٍ في الشوارع
كن قويّاً ، ناصعَ الفولاذ ، واخلَعْ عنك أَقنعةَ
الثعالبِ
كُنْ فروسياً ، بهياً ، كاملَ الضرباتِ . قُلْ
ماشئْت .