الأحد، 13 نوفمبر، 2011

المحظورات الثلاثة .. الجنس ( 1 )


لكل أمة تراثها الخاص من القصص والحكايات والنوادر الجنسية، فعند الفرس نجد شهرزاد وحكايات ألف ليلة وليلة والديكاميرون في أوروبا – وهو الفن الذي بشر بميلاد القصة القصيرة- وكتاب الكاماسوترا في الهند ولدى العرب الجاهليين نجد المعلقات بما فيها من حكايات جنسية ووصف صريح وخاصة معلقة إمريء القيس وطرفة بن العبد، وفي مصر نجد أغاني الفولكلور الشعبي في الدلتا والصعيد، بما فيها إيحاءات صريحة وغامضة.
تكمن مشكلة الجنس في عالمنا العربي في الكبت الذي عانيناه في سن المراهقة وما بعدها، ومحرم علي أي طفل أن يسأل أباه أو أمه كيف جئنا إلى الدنيا، فإما ألا يجد إجابة أو يجدها متمثلة في صفعة على خده فلا يجرؤ ألا يسأل مرة أخرى، ولو علم الأهل أن الطفل بهذا السؤال يستكشف العالم من حوله، وأول ما يريد كشفه في هذا العالم هو نفسه ! .

يتطور هذا الكبت فيما بعد إلى عقد نفسية وفكرية تتربى مع الشخص ليصبح الممنوع مرغوبا – أي الجنس – ولكن هيهات، يصبح الجنس كالماء المالح كلما شربتَ منه بأي سبيل ازدادت الرغبة اشتعالاً .

فبعد ظهور الانترنت كانت الصدمة الحضارية الكبرى لجيل بأكمله حينما شاهد أفلام البورنو صريحة واضحة لا تخفي أي شيء من تفاصيل العلاقة بل على العكس تعمل على إبرازها، وصار الاعتقاد لفترة طويلة أن الانترنت ليس له أي استخدام غير هذا، وصار من المحرمات أيضا .

وظهرت بشكل كبير الازدواجية الفكرية في التعامل مع الجنس وموضوعاته العديدة، وأهمها تلك المتعلقة بالعلاقة بين الرجل والمرأة، وصار أغلب الرجال يريدون تجربة ما يشاهدونه مع زوجاتهم، هن اللائي لا يعرفن – في الغالب – أي شيء عن الجنس سوى ما قالته لهن الأمهات قبل الزواج بليلة واحدة، ولم يعرفن سر العلاقة سوى بعد الزواج .

تلك العقدة الرهيبة التي عالجها ( نجيب محفوظ ) في رواية السراب، وعالجها كتاب كثيرون مصريون وغير مصريين، ولكن تلك كانت المعالجة الأكثر نضجا في الأدب العربي، والأقرب للواقع المصري المعاش الذي يهمني أن أتحدث عنه .

وظهر اتجاه الانفتاح الفكري على الموضوعات الجنسية في دول الخليج وعلى رأسها السعودية، وفي رواية بنات الرياض عالجت ( رجاء الصانع ) هذا الموضوع بشكل صادم أكثر ولكنه أقل فنية من رواية السراب، ولنا أن نتخيل كيف ينفجر بركان الجنس المكبوت في دولة مثل السعودية . 

وظهر اتجاه ينادي بجعل الثقافة الجنسية مادة في منهج المدارس الحكومية، وهو اتجاه متطرف فكريا أيضا، هذا لأن الجنس فطرة، فلا مَنْعُ الكلام عنه يجعل الشخص غير قادر على فعله ولا فتح أبواب على مصراعيها تجعله قادرا على الفعل، وجاء اتجاه معتدل بعض الشيء ينظر للجنس على أنه أمر عادي يجب أن يكون الكلام فيه عاديا ولكن باحتراس شديد، وعقل متفهم وقلب حكيم دون توريات لا تقدم ولا تؤخر ودون وضوح فاضح يثير الشهوة .

وضع الله الجنس في بني آدم ليعمروا الأرض، والشهوة الجنسية تحديدا من أعتى وأقوى الانفعالات التي تعصف بالإنسان، لنتخيل أن الشهوة الجنسية انفعال عادي، ودرجة شدته أقل، ماذا سيحدث وقتها ؟ لن يفكر الإنسان في الزواج وبناء أسرة من الأساس – رغم أن هذا ليس هو الدافع الوحيد للزواج ولكنه الأقوى والأكثر أهمية – وإن أثقلته مسؤوليات البيت والأطفال، وكانت الزوجة نكدية – كما هو الحال في كل نساء مصر تقريبا - فبكل بساطة سوف ينهي العلاقة كأن شيئا لم يكن ولن يشعر بأي حرمان أو احتياج فسيولوجي !

فالحاجة إلى الآخر حاجة مقدسة، لذلك علينا أن نتعامل مع الجنس بمنطقه ونضع كل شيء في نصابه، فلا الكلام عنه جريمة، ولا شرح تفاصيل العلاقة – دون إثارة للشبق- أمر شنيع لا يجوز التحدث عنه .

فلنتكلم عنه كشيء عادي، مثله مثل عادات الأكل والشرب لكي لا نخلق جيلا من الأبناء المعوقين نفسيا المشوهين فكريا وأخلاقيا، ليكن الحديث عن الجنس حديثا عاديا هادئا، بغير صراخ ولا ضجة جوفاء .

ولو تحدثت مع الكثيرين لعرفت حجم الكارثة  ستجد كل الكلام الباطل الذي ورثنا العادات الخاطئة في " ليلة الدخلة " وكيفية المضاجعة والمعاشرة السيئة، لنتحرر من هذا الدجل والكلام الفارغ قليلاً، لننتقِ مصادرنا ونحسن الاستماع إلى أهل الدين العلم والطب، دون اللجوء إلى الخزعبلات الشعبية التي تورث النكد والبرود وسوء المعاشرة .

هناك 10 تعليقات:

  1. :)

    تحياتي على الموضوع القيم والأسلوب الراقي في السرد الذي أحييك عليه بشدة

    تقبل مروري وخالص تحياتي وتقديري

    ردحذف
  2. تحياتي لك على مرورك يا باشا !

    مستني تفاعل أكتر في المرات القادمة

    ردحذف
  3. اشكرك على اسلوبك الرائع والسلس في طرح مثل هذه الامور (المسكوت عنها) , واعتقد ان تجنب الحديث عن الجنس هو كتجنب البسطاء الحديث عن الجن او الشياطين بمعنى ان عدم الحديث عنها لا ينكر وجودها بل يجعلنا نخلق هاله وهمية من الخرافات حول هذه التفاحة المحرمة , حتى نصطدم بواقع مختلف وممارسات خاطئة تورث رهبة دائمة من الجنس ونفور من العلاقة واحيانا من الطرف الاخر .
    ان التعلم الصحيح لاصول العلاقة قبل الزواج هو في رايي كمن يلتحق بمدرسة لتعليم القيادة قبل اقدامه على اختبار القيادة لان من وجهة نظري المتواضعة ان في مرحلة من مراحل الزواج يتعدى الجنس مجرد الرغبة في الانجاب او اشباع الشهوة الى التحليق في سماء من المتعة والارتفاع عن كل مشاكل الحياة الواقعية , ويصبح الجنس هو النهر المقدس يرتحلا اليه ليغتسلا به ويحطان عنهما خطايا يومهما المثقل بالهموم .
    ولكي يصل الزوجان الى هذه الدرجة من المتعة يجب ان يكون لكل منهما نصيب كبير من المعرفة حول هذه التفاحة المحرمة , وتتخلى الزوجة عن كل الموروثات حول مناطقها الحساسةوكيف انها ترضي ربها بامتاع زوجها وكلما زادت في الامتاع والتغنج زاد حب زوجها لها , وان الحياة الجنسية هي حياة موازية للحياة الزوجية اذا فشلت فشلت الحياة الزوجية باكملها

    ردحذف
  4. رد شيق ماتع رد لي الأمل في جمهور المدونين ، وأخيرا وجدت مدونا مثقفا له رأي ورؤية على عكس أغلب المدونين السطحيين .

    الجنس مثله كأي فعل إنساني عادي جدا ، وفعلا السكوت عنه خلق حوله هالة كاذبة ، ورهبة أورثت الفزع للكثيرين ، وطبعا لم يحاولوا حل مشكلاتهم الجنسية لأن هذا بمثابة الفضيحة بالنسبة إليهم ، فازداد الطين بلة .

    أحييك على نظرتك العميقة للأمور التي تنبأ عن ثقافة حياتية ،وعلى عقليتك المستنيرةالتي قلما توجد بين شباب هذه الأيام .

    نورتني واتمنى أشوفك مرات اخرى لكي نتناقش
    تحياتي

    ردحذف
  5. اسلوب جميل بحق .. يسعدني جِدا أن أرى نقاش متعقل يخص موضوع حساس كهذا ،
    شخصيا لا اوافق ان يتم تدريس مواضيع متعلقة في المدارس ـ ربما تثقيف الاباء والامهات هو اول واهم خطوة في هذا الامر

    ردحذف
  6. لقد صرنا اثنين إذا !

    أسعدني مرورك

    ردحذف
  7. السلام عليكم ..
    لازلتُ اتذكر تسكيتي و تهميشي و رمي بنظرات كلها ... ؟!
    عندما استشهدت ببداية مناقشتي لهذا الموضوع بقول الطنطاوي(فيما معناه):حاجتان غريزتان في الانسان الاكل و الجنس .

    و عندها اصبحت بنظرهم فتاة ... !!!


    شكراً لطرحك :)

    ردحذف
  8. كلام جميل
    ولو اني أختلف معاك في تدريس الثقافة الجنسية
    وهي ضرورية جدا في عصرنا هذا
    المشكلة هنا في الحكم المسبق بمنهج الثقافة الجنسية
    فلما تقول الثقافة الجنسية... حالا يذهب التفكير الى ليلة الدخلة واوضاع المضاجعة و و و
    وهذي الاشياء جزء من الثقافة الجنسية ولكن ليست كلها
    دائما ما يطغي الانطباع خاطئ جدا خصوصا في مجال حساس كالجنس

    الثقافة الجنسية الهادفة هي التي تبين للمتعلم مرحلة البلوغ وما يصاحبها من تغيرات. تبيان الجنس وأمراضه والعلاقات المسببة للأمراض والعلاقات الشاذة. أيضا الغسل كجانب أيضا موجود بالدين و و و
    كل هذا يمكن طرحه بالمناهج في الاعمار التي تظهر فيها البلوغ


    ولا يشترط أو يلزم أن تكون الثقافة الجنسية مادة لحالها
    يعني شوية بمادة العلوم والاحياء
    وشوية بمادة التربية الاسلامية او اي مادة دينية... للدول اللي عندها مناهج دينية

    واسف مقدما اذا اللي انقال too much info

    Cheers

    ردحذف
  9. أزال أحد مشرفي المدونة هذا التعليق.

    ردحذف
  10. أزال أحد مشرفي المدونة هذا التعليق.

    ردحذف

لا تجلسْ على العتباتِ
كالشحَّاذِ أو جابي
الضرائبِ
لا تكنْ شُرطيَّ سَيْرٍ في الشوارع
كن قويّاً ، ناصعَ الفولاذ ، واخلَعْ عنك أَقنعةَ
الثعالبِ
كُنْ فروسياً ، بهياً ، كاملَ الضرباتِ . قُلْ
ماشئْت .